التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سونامي


كان ذلك في يوم 26 ديسمبر 2004 و الذي قد أذن بدخول إحتفالات الكريسميس و الزحف نحو إغلاق عام و الدخول على عام جديد, و قد قررت عائلت كاريلسون إمضاء هذه العطلة في مكان بعيد عن المألوف الذي إعتادوا على عمله في كل سنة في ولايات أمريكا..
هذه المرة إختاروا أندونيسيا كمحطة لعطلتهم تلك و قد حطوا رحالهم في فندق سان بالي المطل مباشرة على البحر ذو اللون الأزرق الرائع و النسيم الجميل و قد شهدت المنطقة التي يقطنونها إحتفالات لا تنتهي تواصل الليل بالنهار ..
طلب ريتشارد من كاثرين تمضية هذه الليلة في الخارج على متن يخت يبحر بهم بعيداً إلا إن شعور كاثرين بشيء من الصداع منعها من الخروج فطلبت من ريتشارد أن لا يفسد يومه من أجلها و أن يذهب و هي ستقوم بالعناية بالأطفال, و قد أخذ بمشورتها و ذهب بعد أن أوصاهم بالتوصيات المعتادة من الحرص و الحذر من الغرباء أكثر من مرة..
كانت الساعة تقترب من منتصف الليل و قد نامت أنديريا ذات الثلاث أعوام و بجانبها إستلقت سوزي ذات العامين نائمة بينما لم تستطع كاثرين النوم لإستمرار شعورها بالصداع المصحوب بآلام بالمعدة تشبه كثيراً تلك التي تصيب الإنسان في حالات الخوف من الإمتحان ..
راقبت كاثرين منظر البحر الذي إصبغ باللون الأسود و أطالت النظر فيه و هي تتأمل و بيدها كأس من النبيذ الأحمر و تطرب لصوت الأمواج و هي تتأمل إنكسارها على الشاطيء و تلتفت كل حين لتلقي نظرة على طفلتيها الصغيرتين و كان السكون هو سيد الموقف تخلل صوت موسيقى قد إعتادة إذنها عليه منذ وصلولهم هنا و هو أمر طبيعي كون لم يتبقى على الإحتفال العظيم برأس السنة شيء ..
تغيرت نغمة الموسيقى البعيدة و تداخلت معها أصوات هدير خفيفة, زادت شيئاً فشيئاً من قوتها. لم تعرها كاثرين الإهتمام إلا إن زيادة الصوت بشكل مستمر زاد من القلق لديها و إستمر بإزدياد مع إزدياد صوت الهدير الغاضب ..
بدأت تلاحظ إهتزاز خفيف لقطع أثاث الغرفة في الفندق .. و بذعر أسرعت لإيقاظ إبنتيها الذي إستقيظتا برعب هما الأخريات من إيقاظ أمهما المفاجيء لهما و سماعهم لصوت هدير مزعج ..
ظنت كاثرين في البداية إن ذلك هزة أرضية فأسرعت بسحب إبنتيها إلى الخارج بسرعة بملابس النوم كي يكونوا آمنين من وقوع أي شيء من الزلزال حتى إلتفتت فجأة إلى الوراء لترى شيء غريب يظهر أعلى سطح البحر و يعلوا بإرتفاع ..
لم تدري ما هو ذلك الشيء و كاد الرعب يأكل قلبها على مصيرهم و مصير زوجها ريتشارد وقد تركت هاتفها الجوال في داخل الحجرة و لن تجرأ على الذهاب إلى الداخل لأخذه و قبل أن تستمر بها الأفكار رأت أناس من حولها يركضون بإتجاهات مختلفه و يصرخون بشدة و كأنهم يعرفون ما يحدث و كانت تحظن طفلتيها إلى صدرها بكل قوة و تتمتم بكلمات الدعاء و هي تبكي و طفلتيها تبكيان حتى إنقلبت الدنيا رأساً على عقب ..
فجأة رأت نفسها مغمورة في مياه البحر و قد أصابتها موجه شديدة أربكتها كثيراً و آلمتها أكثر فأطلقت صرخة ألم مخلوطة بلوعة على طفلتيها و بأعين ملأها الرعب صارت تبحث عن طفلتيها في الظلام الشديد بإستثناء ضوء القمر الذي غطى السحاب منه الشيء الكثير ..
و مع شعورها بالبرد الشديد و الصراخ بأسماء طفلتيها ظهر فجأة جسد سوزي التي سعلت بشدة و هي تبكي فسحبتها و ضمتها إليها و هي تصارع الأمواج و تلتفت تبحث عن أنديريا حتى سمعت صرخت تنادي “مااااااامااااااااا” من مسافة قريبة فسحبت الأم طفلتها سوزي بقوة و صارت تسبح نحو طفلتها الكبيرة أنديريا حتى وصلت إليها ..
فضمتها هي الأخرى نحوها و صارت تحمل طفلتيها بكلتا يديها مع الظلام الشديد و الأمواج الأشد و تصرخ طالبة للنجدة و لكن لا فائدة و كانت تغرق تحت الأمواج و تعود للطفو نظراً لعدم تمكنها من إستخدام أي من يديها اللتان كانتا مشغولتين بطفلتيها و كانت تعتمد على قوة رجليها اللتان لم تعد تتحمل المزيد من الإنهاك و جاءت آلاف الأفكار لديها فلم تعد أمامها فكرة إلا فكرة التخلي عن إحدى أطفالها و مع إرهاق رجليها صار الضغط عليها أكبر لتقرر من تترك ..
و بالفعل بكل بلوعة و بكاء حاار و إحتراق قلب الأم تركت عن عمد طفلتها الكبرى أنديريا و إحتفظت بسوزي لصغر سنها و كاد صراخ أنديريا العالي و صراعها ضد الأمواج أن يقتل كاثرين و هي حية. زاد على ذلك صراخ أنديريا و قد أبعدتها الأمواج “لماذااا يا أميييي؟؟” حتى إختفت تماما .. و بكل حرقة و نحيب و مصارعة مستمرة من كاثرين مع الأمواج لم تعد تستطيع الإستمرار, إلا إن العناية الإلاهية جائت بقطعت خشب كبيرة مرت عليهم فقبضت عليها كاثرين و وضعت سوزي عليها و تشبثت بها لساعات ظلت صورة أنديريا و هي تناديها تتكرر خلال بإستمرار دون توقف ..
_______
أفاقت كاثرين فإذا هي بلباس أبيض بداخل مستشفى و بجانبها رقدت سوزي فحاولت أن تضمها لصدرها إلا إن الأسلاك التي كانت مربوطة بها منعتها من ذلك.. المهم إنها كانت تتنفس و بدت بخير..
إستيقظت من الغيبوبة و هي تتذكر كل ثانية من الموقف و تتذكر زوجها و أنديريا التي تركتها عن عمد لتنقذ أختها الصغرى فنزلت دمعة ساخنة من عينها أتبعها بكاء شديد و هي تلتفت إلى اليمين بمحاولة منها لإخفاء نصف وجهها, حتى دخل عليها الدكتور الاندونيسي الذي كان يبتسم فرحاً و هو يراها قد أفاقت من الوعي فإطمأن عليها و لم تكد تفتح فمها بالحديث حتى ظهر من خلفه زوجها ريتشارد و بيده يمسك أنديريا ..
نعم طفلتها التي تركتها تغرق عن عمد. لم تصدق الأم و تحولت دموع حزنها إلى شلال من دموع الفرح. فشرح لها زوجها القصة و كيف إن شاب غريب أندونيسي قد أنقذ طفلتها عندما كان بالقرب منها و أتى بها إلى بر الأمان.
و رغم إن زوجها لطالما حذرها من الاندونيسيين الغرباء إلا إن هذا هو الغريب الذي أنقذها و الذي رفض أخذ مقابل لعمله البطولي و قد تركهم و رحل بهدوء ..
دون حتى أن يعرفوا إسمه.

ملاحظة: كتبت هذه القصة و هي مستوحات من أحداث حقيقية

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مات مبارك .. لماذا لا نتذكر سوى الذكريات الحسنه؟

قبل أن أبدأ فأنا لن أتدخل في شئونك الداخلية و لن أمنعك من التدخل في شئوني الداخلية من باب حرية التعبير .. هذا حتى حتى لا يفترسني أحد قبل أن يفهم المقال. هذا الاسبوع رحل محمد حسني مبارك الرئيس الأسبق لمصر و كعادتي في سماع الأطراف المتنوعة فتحت إذاعة البي بي سي و كان الكثير من المتصلين يثنون على الرئيس الراحل و مرددين (ولا يوم من أيامك يا مبارك) حسرة  و لوعة على تلك الأيام .. لو أخذت آلة الزمن و ذهبت بها إلى تلك الحقبة  قد يبدو من الصعب جداً أن تردد هذا الكلام خاصة لو كنت مواطن كادح بسيط و ليس من العلية .. من جانب يترحم الكثير من الكويتيين على مبارك لمواقفه في الغزو العراقي رغم إن الوثائق و مذكرات قادة معركة التحرير لم تكن وردية تجاه القيادة المصرية كما يتصورها الكثير من الكويتيين اليوم , لمزيد من التفاصيل إقرأ مذكرات الأمر لا يحتاج إلى بطل ل نورمان شوارتزكوف تحديداً اليوم ٢٤ فيبراير ١٩٩٠ لأختصر عليك الموضوع. إنسى كل ما سبق فليس هذا الهدف من المقال و إنما الغرض منه المثال و السؤال .. لماذا لا نتذكر سوى الذكريات الحسنة؟ دراسة من جامعة كاليفورنيا قامت بعمل ثلا

عن الدهشة أفتش

عندما يصل عمر الطفل ٤ أشهر يبدأ الوالدان بتجربة أقدم حيلة لاضحاك طفلهم الصغير و هي ما تسمى بالانجليزية (peek-a-boo) عندما يغطي الأب أو الأم وجههما و يفتحه لتصدر ضحكات تعبر عن دهشة الطفل الذي كان يظن إن الأب اختفى فجأة بمجرد تغطية يديه لوجهه.  العملية يمكن تكرارها و يمكن أن يعيد الطفل نفس ضحكاته تلك النابعة من الدهشة المتكررة.  قد تكون أحد أشهر المؤشرات التي أراها عند التقدم بالسن هي قلة الدهشة مع مرور الوقت. يصبح كل شيء تقليدي و متكرر , مألوف و متوقع و هو أمر يفقد المتعة في الحياة حقيقة. سمعت مرة أحد الرحالين العرب الذي وطأ تقريباً كل بقاع الأرض إنه أحياناً يزور دولة ما ولا يندهش بشيء من شدة ترتيبه للبحث عنها قبل السفر. رغم إن السفر يجب أن يكون أحد أكثر الأشياء التي تبعث على الإنسان الدهشة! لكني أيضاً سمعت من رحاله آخر و هو   ابراهيم سرحان  إذ ينصح بأن لا تكون الخطة مكتملة ١٠٠٪ , يجب أن يكون هناك مجال كبير للضياع و العشوائية و هو ما سيجلب لك الدهشة و يزيد من جمال الرحلة. و هو ما ذكرني بالمناسبة بصديق أمريكي إذ إن حيلته عند زيارة مدينة جديدة هي أن يكتب عنوان الفندق ف

و ماذا عنهم؟

قبل سنوات قام مواطن صاحب مشروع صغير بعمل فلم وثائقي من غيضة اتجاه تعطل أعماله في الدوائر الحكومية التي فيها ما فيها (مستفيداً من حرية التعبير المرتفعة نسبياً في الكويت) و كان يتكلم بحرقة عن أحد أبرز المطبات في الحكومة و كانت موظفة غير محترمة تأخذ رشوى بمسميات مختلفة و لما سألها بطريقة غير مباشرة عن أخذها للرشوة كان ردها: و ماذا عن بقية الموظفين؟ أنا آخذ أقل راتب في الدولة و هذا أراه مجرد تعويض فارق! كنت في طابور انتظار في أحد المتاجر فطلب الذي يقف أمامي من المحصل أن يدخل ما دفعه في حساب شخص آخر , فرد عليه بان هذا لا يجوز شرعاً .. و بالفعل كما تتوقع رد عليه "و ماذا عن الذين يطالبون بأكبر من هذا!!" تدار هذه الأيام فكرة إصلاحات اقتصادية سوف تمس المواطن بطريقة أو بأخرى لأنه الشريحة الأكبر لكن التعليق الأكثر شهرة: و ماذا عن أولئك اللصوص الذين يسرقون البلد؟ في أمريكا و كوسيلة استخدمت لتقليل استهلاك الناس للكهرباء .. استغلوا فكرة "و ماذا عنهم" و وزعوا على البيوت درجة استهلاكها مقارنة بالجيران , فالمستهلك الكبير يجب أن يشعب بشيء من الخزي من استهل