التخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ذكرى ألفريد نوبل للاقتصاد ٢٠١٧





كتابة: ريــم أسـعد و
مساعد الشطي

إسهامات "دانييل كانيمان" (عالم السيكولوجي الأمريكي) أكسبته جائزة نوبل للاقتصاد عام 2002، مع إنه لم يدرس الاقتصاد أصلاً ولا يشير إلى إسهاماته على أنها اقتصادية بل يطلق عليها مسمى (علم النفس التطبيقي).
أما “ريتشارد ثيلر" فكان له رأي آخر. فرغم اعتراف الأخير بأنه أخذ الكثير من الأفكار من علم النفس إلا إن هذا لا يمنع تداخل العلوم فيما بينها وإنها تفسر بشكل أفضل سلوك الانسان الاستهلاكي، وإن قرارات البشر منطقية في معظمها، لكن هناك جزء منها يندرج تحت مسمى "قرارات لا منطقية". الدليل على صحة إن هذه الأبحاث السلوكية تمس الاقتصاديين بشكل مباشر (والحديث لثيلر) هو إنك لو زرت أي مؤتمر حول السلوك ستجد غالب الحضور من الاقتصاديين وليس علماء نفس.

بالمناسبة كذلك أحد أشهر المنظرين في هذا المجال هو "دان أرييلي" (أستاذ علم نفس) لكنه يطلق على نفسه (اقتصادي سلوكي) مما يعزز فكرة ثيلر.

ريتشارد ثيلر جاء بالكثير من المفاهيم السلوكية المتعلقة بالاقتصاد وأسس ما يسمى بالاقتصاد السلوكي Behavioral Economics وطرح الكثير منها في أحد الكتب (وقت كتابة هذا المقال يتربع الكتاب على قائمة الأكثر مبيعاً في أمازون) 
بعنوان Nudge (أو الدفع) وهي عبارة عن آلية لتصميم البيئات بحيث تدفع هذه التصميمات الناس نحو سلوكيات أفضل.
فالناس قراراتهم ستكون غير منطقية نتيجة ضعف الإرادة أو تشوش ذهني أو كسل أو غيره من الأشياء التي تشوش على سلوك الانسان وأحد أفضل الحلول لذلك هو ألا تجعله يفكر في قراراته بل صمّم بيئة "تدفعه" لذلك دون تفكير.

سأوضح أكثر بمثالين:
١- على الرغم من التصاق النمسا بألمانيا والتشابه الثقافي الشديد بينهما إلا إن ٩٩٪ من النمساويين يتبرعون بأعضائهم بعد الوفاة مقارنة مع ١٢٪ فقط من الألمان! هذا تفاوت مهول. وقد يكون هذا التفاوت فرصة ذهبية للتندر بين الشعبين وإطلاق مختلف الصفات لكن الأمر أبسط من ذلك. المشرع النمساوي قرر أن يكون كل من يحصل على رخصة القيادة أن يكون موافقاً على التبرع بأعضائه بعد الوفاة مالم يقم بنفسه بإلغاء ذلك. بالمقابل المشرع الألماني يطلب أن يقوم الشخص بعد الحصول على رخصة القيادة أن يتبرع بأعضائه في حال وفاته. الناس توافق ما دام هذا من ضمن الاختيار الافتراضي لكن لو صعبت عليهم المهمة سيستثقلون الأمر. 
مثل التبرع بالدم: في المنطقة عندنا الكل يؤمن بشرعيته وأهميته لكن قليل من يقوم به لأنه صعب وبعيد ويأخذ وقتاً، لكن عندما قام بنك الدم بتوفير سيارات متنقلة لأخذ الدم من المتبرعين في مقار عملهم صارت مدة الانتظار بالشهور ناهيك عن امتلاء خزانات البنك!

٢- في أمريكا عندهم مشكلة كبيرة في إن الموظفين لا يشتركون في صندوق التقاعد (401K) استخفافاً بالقرار ولكن هناك مؤسسات تجارية تشرك الموظفين بشكل تلقائي عند توظيفهم. الموظف يتساهل في قراره هذا أثناء حياته الوظيفية لكنه يصدم في نهاية خدمته عندما لا يحصل على راتب تقاعدي!
أعرف الأمر غريب لأن من حسن الحظ عندنا مؤسسات التقاعد والتأمينات الاجتماعية تقوم بهذا الدور دون تفكير وبالتالي يحصل الموظف عند التقاعد بشكل إجباري على راتب من استقطاعاته أثناء عمله الوظيفي. لو لم تصمم بيئة العمل بهذا الشكل الاجباري فأتوقع أن كثيراً من الناس ستقع في مأزق كبير. فقط كنت أتمنى لو أنهم أتاحوا المجال لرفع سقف الاستقطاعات
والحصول على راتب أعلى لمن استثمر أكثر في راتبه التقاعدي -كما هو معمول به في أمريكا.
الأمثلة كثير وهذا ما دفع كثير من الحكومات بأن تستخدم وحدات أدوات الاقتصاد السلوكي كي تصمم هياكل أفضل للخيارات الفردية، ويقدر عددها اليوم بـ 75 وحدة اقتصاد سلوكي حول العالم.
في النهاية يبدو إنه لو إن ما قال ثيلر في أن (الانسان منطقي إلا في جزء من قراراته) صحيح فهذا العلم تحديداً سيحسن من الحياة البشرية بشكل كبير.

المحاسبة الذهنية
تقول الفرضية أن قراراتنا الاستهلاكية لا تأخذ في الاعتبار جميع البدائل المتوفرة بشكل حيادي وبالتالي فنظرتنا للخيارات المتاحة تأتي من منظور ضيق. وهنا يأتي مفهوم "التعقل المحدود" Bounded Rationality (ابتكره الاقتصادي الأمريكي هيربرت سيمون Herbert Simon). وملخصه أن عملية اتخاذ القرار تعتمد على ثلاثة أشياء: المعلومات المتاحة والقدرة الذهنية والوقت المتوفر لدى الفرد.
هذا المفهوم نجد له أمثلة عديدة في "المحاسبة الذهنية" Mental Accounting التي أطلقها ثيلرThaler   ويصف فيها كيف يقيّم الفرد ويتخذ قراراته المالية.
عندما تضع ميزانية منزلية شخصية مثلاً فإنك تبدأ بتقسيم أغلب مصاريفك ومدخراتك إلى بنود مختلفة، وربما تخصص لها حسابات مصرفية منفصلة حتى لا تختلط المخصصات و"تخرب الميزانية". هذا السلوك يسميه ثيلر المحاسبة الذهنية.
في هذا السلوك يتخذ الفرد قراراته تجاه كل بند بانفصال فلا ينظر إلى اجمالي المصروفات، برغم أن مجموع المصروفات لا لا يعتمد على أي حساب تم السحب منه أو الإيداع فيه.  
تصور مثلاً أن لديك حساب مدخرات سنوية وبه مبلغ معقول وعليك في المقابل ديون في بطاقة الائتمان، وفقاً للسلوك فإنك ترفض سدادها من حساب المدخرات السنوية فقط لأنك "تعتبرها" مدخرات لا يمكن المساس بها، وتكون النتيجة أنك تتحمّل الفائدة التراكمية على البطاقة وتنتهي بخسارة إجمالية! أو أنك قد ترفض سحب مصروفات الإجازة من حسابك الادخاري (بعائد 3% سنوياً مثلا) وتفضل الاقتراض بنسبة 5%. وهنا غالباً ما تبرر التصرف بأنك تحمي مدخراتك الطويلة الأجل من بسبب المصاريف المتكررة والاستهلاك المكلف.
وفقاً لثيلر فهذا السلوك غير سليم وناتج عن أنك ظللت حبيس المحاسبة الذهنية والتي منعتك نفسياً من اتخاذ القرار الصحيح Limited Rationality.
ثمة سلوك آخر يتكرر بكثرة ويعكس المحاسبة الذهنية ويتمثل في "الرقم المرجعي" لقراراتنا المالية.
مثلا قمت بشراء سلعة بسعر 5 ريالات (أو أقل سعر وجدته في النت)، بعدها يصبح هذا السعر مرجعاً لك في جميع السلع المشابهة وعلى أساسه تقرر ما إذا ستشتري سلعة مقاربة لها مستقبلاً.
مثال واقعي نجده في الحقائب النسائية. لنفترض أنكِ نزلتِ إلى السوق في أيام التخفيضات القصوى والتقطت "شنطة أحلامك" بسعر لا يصدق، ستجدي أنه يصعب عليك شراء شنطة أخرى بالسعر الكامل لأن السعر الأول (في التخفيضات) ظل نقطة المرجعية العالق بذهنك. ويمكن القياس على ذلك في قرارات أخرى مثل تذاكر السفر أو أسعار المدارس أو غيرها.
مثال آخر. لو أنت سائق أوبر وقمت ذهنياً بتحديد دخلاً يومياً بعده يمكنك العودة إلى المنزل، في هذه الحالة ستقوم بالتوقف عن نشاطك عندما يتحقق الدخل اليومي بينما تضيع عليك فرص تحصيل دخل أكبر في أوقات الذروة (سواء بسبب نقص السائقين أو زيادة عدد الزبائن).

معلومة غير هامة
حصل البروفيسور كانيمان على جائزة نوبل للعلوم الاقتصادية عام 2002 (رغم أنه عالم نفس سلوكي)، وحصل البروفيسور ثيلر (مؤسس الاقتصاد السلوكي) على نفس الجائزة لعام 2017 (قبل أيام من كتابة المقال) أما البروفيسور آرييلي فهو أيضا عالم اقتصاد سلوكي لكنه لم يحصل على الجائزة (بعد)!

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دكتور أحمد خالد توفيق وداعاً

تعرفت على عالم الكتب في سن مبكر أثناء رحلة عائلية إلى مصر. أذكر إني نزلت من الفندق يوماً لوحدي كمتمرد أردت أن أرى الشارع ثم أعود مسرعاً إلى الأعلى لأن السفر في الماضي شيء شبه نادر ولا يحدث كثيراً كما هو اليوم. كانت في جيبي بعض الجنيهات و ما إن وطأت قدمي الشارع حتى صادفتني ظاهرة غريبة و هي بيع الكتب على الشارع و رغم إن هذا النوع من المحلات يهدف إلى تعظيم مبيعاته عن طريق بيع الكتب التي تحمل عناوين مثيرة إلا إن البائع (جزاه الله خيراً) عرض علي كتب من المؤسسة العربية الحديثة, كان من الذكاء بحيث عرض سلسلة (فلاش) التي تعتمد على الرسومات أكثر من الكلام. أذكر إني اشتريت مجموعة صغيرة و طرت بها إلى داخل الفندق. 
ذاكرتي اليوم مشوشة لا أذكر تحديداً إذا ما كانت المؤسسة العربية الحديثة هي السبب الأول لحبي للكتب أم كانت تلك مجلة ماجد أم هي الرحلات المدرسية الداخلية في سن صغير داخل المكتبة البسيطة. لكن ما أعرفه على وجه اليقين إن المؤسسة العربية كانت هي سبب رئيسي بلا شك. 
جرتني أعداد (فلاش) بقلم خالد الصفتي إلى سلسلة أخرى و هي رجل المستحيل بقلم الدكتور نبيل فاروق و ما إن بدأت فيها حتى إلتهمتها إلتهام…

مات مبارك .. لماذا لا نتذكر سوى الذكريات الحسنه؟

قبل أن أبدأ فأنا لن أتدخل في شئونك الداخلية و لن أمنعك من التدخل في شئوني الداخلية من باب حرية التعبير .. هذا حتى حتى لا يفترسني أحد قبل أن يفهم المقال.
هذا الاسبوع رحل محمد حسني مبارك الرئيس الأسبق لمصر و كعادتي في سماع الأطراف المتنوعة فتحت إذاعة البي بي سي و كان الكثير من المتصلين يثنون على الرئيس الراحل و مرددين (ولا يوم من أيامك يا مبارك) حسرة  و لوعة على تلك الأيام ..

لو أخذت آلة الزمن و ذهبت بها إلى تلك الحقبة  قد يبدو من الصعب جداً أن تردد هذا الكلام خاصة لو كنت مواطن كادح بسيط و ليس من العلية ..

من جانب يترحم الكثير من الكويتيين على مبارك لمواقفه في الغزو العراقي رغم إن الوثائق و مذكرات قادة معركة التحرير لم تكن وردية تجاه القيادة المصرية كما يتصورها الكثير من الكويتيين اليوم , لمزيد من التفاصيل إقرأ مذكرات الأمر لا يحتاج إلى بطل ل نورمان شوارتزكوف تحديداً اليوم ٢٤ فيبراير ١٩٩٠ لأختصر عليك الموضوع.




إنسى كل ما سبق فليس هذا الهدف من المقال و إنما الغرض منه المثال و السؤال .. لماذا لا نتذكر سوى الذكريات الحسنة؟ دراسة من جامعة كاليفورنيا قامت بعمل ثلاث مجموعات من أعمار صغيرة , متوسطة …

تعليم بلا نهاية

يقال بأن الجامعات أصلها جاء نتيجة فكرة تكديس العلم في مكان واحد , لأن العلوم غير متاحة في كل مكان و إذا كانت متاحة فهي مبعثرة هنا و هناك و بالتالي جاءت الجامعات كحل لهذه المشكلة حيث (تجمع) فيها المواد التعليمية.
في كل مرة أشارك رابط لدورة تدريبية مهمة على الانترنت للناس أحصد أكثر من مئة إعجاب , في إشارة إلى إنهم مهتمين بالدورة. و أسأل نفسي كم منهم سينهي الدورة؟ بل كم سيبدأها إن صح التعبير؟؟
مشكلة هذا العصر بالذات ليست قلة المعلومات أبداً .. تخيل أن هناك من مشى من المغرب حتى بغداد لطلب العلم في زمن سابق! 
المشكلة الحقيقية اليوم كما يصفها نافال رافيكانت هي ضعف الإرادة في التعلم. و أرى إن أفضل من حدد المشكلة هو كال نيوبورت في كتبه حيث يشير إلى إن المشكلة هي بالتركيز. و إن كثرة المشتتات (على رأسها وسائل التواصل الاجتماعي) هي السبب الرئيسي الذي يعبث بعقلك.
سألني شخص مرة في رسالة خاصة على الانترنت كم يساوي ١٠٪ من راتبي؟ .. ظننت إن الأمر مزحه فلا أتخيل إن شخص لديه ارتباط في الانترنت لا يعرف أن يخرج ١٠٪ من راتبه! لكن عذرته و قلت ربما فعلاً يعتبر الأمر صعب. لكن المشكلة إن سؤاله كان "كم&q…