التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مقال ممتاز: عالم لا يتعلم من أزماته .. هوس زهرة التيوليب


أ.د. محمد إبراهيم السقا
متى يتعلم الناس في العالم من الأزمات العديدة التي مرت بهم أو عليهم؟ متى يتجنب الناس إلحاح الرغبة في المضاربة على الصعود اللانهائي للأسعار تحت ضغط حلم تحقيق الثراء السريع والانضمام إلى نادي الأثرياء؟ مدفوعين بالقصص التي تروى ليل نهار عن أثرياء البورصة، وأثرياء الأراضي والعقارات، وأثرياء السلع... إلخ. إنها قائمة لا نهائية من الآمال التي يحلم بها الأشخاص المهووسون بالمضاربة على كل شيء وفي كل وقت وبأي ثمن. الأزمات التي مرت على العالم تصل بنا إلى خلاصة مهمة, وهي أن هناك قاعدة شبه ثابتة تقريبا وهي، أنه "لا يوجد هناك شيء قابل للصعود إلى ما لا نهاية"، وأنه مهما طال الأمد فإن هناك سقفا تبلغه الأسعار في لحظة ما عندما يتكون ما يمكن أن نطلق عليه "الكتلة الحرجة من المضاربة" التي تدفع بالأسعار نحو الصعود، وهو ما اصطلح على تسميته "فقاعة الأسعار" Bubble, التي ما إن تتكون مدفوعة بعزم المضاربة، فإن ضغوط ارتفاع الأسعار تستمر داخل الفقاعة حتى تصل إلى المستوى الحرج ومن ثم تنفجر. الغريب في الموضوع أن القصة نفسها، هي هي، تتكرر في كل أزمة مرت على العالم، ويبدو أن الناس في هذا العالم تمتلك ذاكرة قصيرة جدا، فسرعان ما ينسى الجميع ما حدث في الأزمة الماضية، ويعيدون المحاولة مرة أخرى، ربما بدافع الاقتناع بأن الظروف هذه المرة مختلفة، أو أن الأوضاع ليست كما هي في الأزمة السابقة، أو أن الأرباح شبه مضمونة هذه المرة، أو أن المضاربين لم يحضروا الأزمة الماضية .. إلى آخر الأسباب التي تدفع الناس نحو الجحيم، "جحيم المضاربة", الذي يبدو أنه مرض نفسي تتزايد أعداد المصابين من زمن إلى آخر.
عندما ندرس الأزمات المالية التي مرت على العالم نجد أنه في كل مرة يواجه فيها العالم أزمة تتكرر التطورات الآتية بصورة أو بأخرى:
1. تصاعد التوقعات بارتفاع أسعار الأصول المالية أو الحقيقية أو السلع.
2. انتشار حمّى المضاربة بين قطاع كبير من المتعاملين في سوق الأصول أو السلع.
3. انتشار حمى الطمع في الثراء السريع استنادا إلى تدفقات المعلومات حول معدلات الارتفاع في الأسعار.
4. الاعتقاد باستمرار ارتفاع الأسعار هكذا وإلى الأبد دون أي سقف يحدها.
5. حدوث سلسلة فجائية من الاتجاهات المعاكسة التي تعمل بشكل سريع تؤدي إلى انعكاس التوقعات في فترة قصيرة جدا لا تمكن معظم المتعاملين من اتخاذ أي إجراء يحول دون تدنية خسائرهم التي يمكن أن تترتب على هذه التطورات.
6. الهبوط المدمر للأسعار، أو انتشار الأزمة.
في هذه السلسلة من الحلقات أتناول بالتحليل وبشكل مختصر الأزمات التي مرت على العالم حتى الأزمة الحالية، وسأبدأ بهوس زهرة التيوليب Tulip باعتبارها أغرب الأزمات المسجلة التي مرت على الإنسان. هوس زهرة التيوليب، أو التيوليبمانيا Tulip mania، أصبح من العبارات شائعة الاستخدام حاليا للتعبير عن الحالة التي تتكون فيها فقاعة للأسعار التي تحدث عندما يتجاوز السعر السوقي للأصل أو السلعة القيمة الحقيقية بشكل واضح، ليتكون نتيجة لذلك فقاعة سعرية تكون قابلة للانفجار في أي لحظة لاحقا. ووفقا لتاريخ الأزمات التي مرت بالعالم، يعد الهوس ببصيلات زهرة التيوليب الذي بلغ أقصاه في شباط (فبراير) 1637 أول حالة مسجلة للفقاعات السعرية في العصر الحديث.
لا أدري من أين أبدا, فالقصص المثيرة والمتاحة لدينا عن الفقاعة كثيرة ومتنوعة لدرجة أنه ربما يصعب أن نتأكد من صحتها أو أن نجزم بحدوثها لأن بعضها ربما لا يصدق على الإطلاق، على سبيل المثال وفقا لبعض الروايات بيعت 12 هكتارا من الأرض في مقابل بصيلة واحدة من التيوليب تسمى سمبر أوغستسSemper Augustus . كذلك يقال إنه في عام 1636 كان يتم تبادل الزهرة التي لم تر من قبل بعربة يجرها حصانان، ثم تطورت الأمور على نحو أسوأ، لدرجة أن أسعار الزهور أخذت في الارتفاع حتى قبل أن تظهر على النبات بعد، وفي كتاب له عن تاريخ الأزمات المالية في العالم يذكر جيليبرث أن زهرة واحدة من نوع سمبر أوغستس، كانت تباع بنحو 3000 فلورين هولندي، أو ما يزيد على 50 ألف دولار بأسعار اليوم، المثير في القصة هو أن هذه الأزمة لم تحدث بسبب المضاربة في أسواق الأسهم أو في سوق العقارات، أو في أسواق السلع مثل الذهب أو النفط، وإنما للغرابة الشديدة بسبب المضاربة على "بصيلات التيوليب"، إنها بالفعل تظل أغرب الأصول التي تمت المضاربة عليها على الإطلاق.
جلبت بصيلات زهرة التيوليب إلى أوروبا في القرن الـ 16، واستغرق الأمر نحو قرن من الزمان لبدء عملية المضاربة عليها، وازداد تقدير الزهرة بشكل خاص بين السكان في هولندا، وكلما ازداد جمال الزهرة وازدادت ندرتها، ارتفع سعرها، حتى أنه في عام 1630 بدأت الأسعار السوقية للزهرة في الارتفاع بشكل غير مسبوق، وكلما انتشرت المعلومات حول اتجاهات أسعار بصيلات التيوليب ازداد الطلب عليها إلى حد أنه يشاع أن كل من كان يقيم في هولندا في ذلك الوقت أقدم على المضاربة على أسعار هذه الزهرة تقريبا، ونظرا لانتشار الهوس بالزهرة تم إنشاء أماكن متخصصة في تبادل التيوليب في بورصات تبادل الأسهم في أمستردام وروتردام وهارلم، وغيرها من أنحاء هولندا، وأخذت المضاربة على الزهرة في التزايد، وحقق عديد من الأشخاص ثروات استثنائية نتيجة لذلك.
اعتقد المضاربون في أسواق تبادل بصيلات التيوليب أن عشق الناس للزهرة سيستمر إلى الأبد، وأن الأغنياء في أنحاء أوروبا كافة سيستمرون في إرسال أموالهم للحصول على الزهرة وبأي سعر، بحيث انتشرت حمى زهرة التيوليب بين الطوائف كافة تقريبا، أي بين النبلاء والأغنياء، والمزارعين، والبحارة، وحتى الخدم. وقام الناس على اختلاف طوائفهم بتحويل ممتلكاتهم إلى نقود سائلة لأغراض الاستثمار في الزهرة، وكلما ارتفعت الأسعار ازداد الإقبال على عرض المنازل والأراضي ومختلف الممتلكات للبيع بأسعار زهيدة بهدف الحصول على الأموال اللازمة للمضاربة على الزهرة، أو تم رهن الممتلكات لتمويل صفقات التيوليب. انتشرت أيضا أخبار هوس زهرة التيوليب في هولندا إلى الخارج حيث انتشرت حمى التيوليب هناك أيضا، ومن ثم بدأت الأموال تتدفق من الخارج إلى هولندا بحثا عن الثراء السريع من المضاربة على الزهرة. مع تراكم الثروات، مقاسة بمخزون بصيلات التيوليب، بدأ التضخم في هولندا في الانتشار حيث ارتفعت أسعار كل شيء تقريبا، وهو نتيجة غير مستغربة لحالة الرواج التي خلقتها عمليات المضاربة على الزهرة.
شهد عام 1637 بدء التحول في سوق التيوليب، وكما انتشرت المضاربة على الزهرة بسرعة جنونية انطفأت الأسعار أيضا بالسرعة نفسها, وعلى نفس نمط ما حدث في الأزمات كافة التي مر بها العالم لاحقا انتشرت حمى البيع بسرعة ومن ثم هوت الأسعار وانهارت معها الثروات، وتحول الأثرياء الذين أغرموا بالتيوليب إلى شحاذين في الشوارع، حيث تعرض كل من اشترى الزهرة، بصفة خاصة بكميات كبيرة للإفلاس. ففي شباط (فبراير) 1637 لم يعد متداولو البصيلات يجدون العروض المناسبة لشرائها، وبدأت الشكوك في أن الطلب على بصيلات التيوليب سيختفي وهو ما ولد ذعرا كبيرا بين البائعين، ومن ثم بدأت حمى البيع التي تسببت في انفجار الفقاعةً، وتحولت عقود بيع البصيلات التي كانت تساوي ثروات هائلة إلى عقود لا تساوي شيئا. حدث انهيار مالي عظيم طال كل من اشترك في المضاربة على الزهرة, هؤلاء الذين كانوا يسارعون نحو عقد الصفقات على نطاق واسع، بصفة خاصة للضغط على أسعار الزهرة نحو الارتفاع، تحولوا بالسهولة نفسها نحو الإفلاس، وانتهت حمى التيوليب في هولندا، لكنها بالفعل كانت البداية الحقيقية لأزمات ستتكرر مرارا وتكرارا في القرون التي تليها في أنحاء العالم كافة، حيث يبقى المضاربون في النهاية مع خسارتهم.
انتهت أزمة التيوليب ودخل الاقتصاد الهولندي حالة كساد طويل، وانتهت معها حمى زهرة التيوليب واستمر الهولنديون يزرعون الزهرة حتى يومنا هذا، وعلى الرغم من أن الزهرة سببت إحدى أولى الأزمات المالية في التاريخ، إلا أن من يقرأ عنها ويعود بذاكرته نحو الوراء فإنه لا يقارن بين تلك الأوضاع وأوضاع اليوم وإلا لكانت عبرة للمضاربين عن مدى خطورة المضاربة غير المحسوبة. إنها المقارنة نفسها التي يمكن أن تتم بين الأزمة الحالية والأزمة القادمة، فمع خمود الأزمة الحالية ستبدأ نيران المضاربة بشكل آخر أو أدوات أخرى أو أسواق أخرى في الاشتعال تحت الرماد حتى تظهر على السطح مع مسح ذاكرة المتعاملين في السوق عن كل ما حدث. نسي العالم بسرعة ما حدث من هوس التيوليب، لكن العالم طور أشكالا أخرى من الهوس بالمساكن والأسهم وأدوات أخرى ومن ثم استمرت الأزمات تتكرر واحدة تلو الأخرى دون أن يتعلم العالم مما حدث. الحلقة التالية من هذا المقال تتناول قصة أزمة أخرى.

http://www.aleqt.com/2010/06/04/article_401992.html

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عن الدهشة أفتش

عندما يصل عمر الطفل ٤ أشهر يبدأ الوالدان بتجربة أقدم حيلة لاضحاك طفلهم الصغير و هي ما تسمى بالانجليزية (peek-a-boo) عندما يغطي الأب أو الأم وجههما و يفتحه لتصدر ضحكات تعبر عن دهشة الطفل الذي كان يظن إن الأب اختفى فجأة بمجرد تغطية يديه لوجهه.  العملية يمكن تكرارها و يمكن أن يعيد الطفل نفس ضحكاته تلك النابعة من الدهشة المتكررة.  قد تكون أحد أشهر المؤشرات التي أراها عند التقدم بالسن هي قلة الدهشة مع مرور الوقت. يصبح كل شيء تقليدي و متكرر , مألوف و متوقع و هو أمر يفقد المتعة في الحياة حقيقة. سمعت مرة أحد الرحالين العرب الذي وطأ تقريباً كل بقاع الأرض إنه أحياناً يزور دولة ما ولا يندهش بشيء من شدة ترتيبه للبحث عنها قبل السفر. رغم إن السفر يجب أن يكون أحد أكثر الأشياء التي تبعث على الإنسان الدهشة! لكني أيضاً سمعت من رحاله آخر و هو   ابراهيم سرحان  إذ ينصح بأن لا تكون الخطة مكتملة ١٠٠٪ , يجب أن يكون هناك مجال كبير للضياع و العشوائية و هو ما سيجلب لك الدهشة و يزيد من جمال الرحلة. و هو ما ذكرني بالمناسبة بصديق أمريكي إذ إن حيلته عند زيارة مدينة جديدة هي أن يكتب عنوان الفندق ف

ما الذي ستضحي به؟

    خلال أيام الحظر التي فاتت شاهدت فلم واثائقي مثير حقاً و ربما لم أكن أصدق ما جاء به لولا إن تم توثيقه من جهات محايدة , الفلم اسمه Maidentrip و هو باختصار عبارة عن طفلة هولندية عمرها ١٤ سنة تقوم برحلة حول العالم بقاربها الشراعي ((لوحدها))!! لك أن تتخيل إن الرحلة كانت بدعم كامل من والدها و طبعاً معارضة شديدة من الحكومة الهولندية حتى صعدت الموضوع إلى القضاء و ذلك لكي تسحب الوصاية من على طفلته لأنه شخص متهور يريد أن يجعل بنته ذات ال١٤ ربيع أن تعبر المحيطات لوحدها وهذا طبعاً لا يفعله أب عاقل. إلا إن المفاجأة إنه كسب القضية ضد الحكومة و سافرت لورا ديكير حول العالم بقاربها الشراعي و استغرت مدة سفرها عامين وثقتها بكثير من المغامرات. لو كنت نفسي فغالباً ستنجذب للفلم ثم تصاب بشيء من الاحباط عندما تقارن حياتك و أيامك التي مضت مقارنه مع هذه البنت التي جابت العالم بقاربها الشراعي بسن صغير , ربما عندما كنت في سنها كان أقصى طموحك هو أن تحضى بآيس كريم مجاني أو تلعب كرة القدم مع أصحابك حتى تغيب الشمس ولا يوبخك أحد عند عودتك متأخراً أو مثلاً قارن هؤلاء الشباب أصحاب قناة ( يس ثيري ) الذين تمتليء قنات

معضلة الطبيب

  هذه أحدى المقالات التي قرأتها و لم أنساها , كانت تتحدث عن ما يسمى بمعضلة الطبيب. و هي تفسر لماذا يصبح بعض الأطباء أكفاء و البعض الآخر سيء مع الوقت.  طبعاً لا أخفيكم سراً بأني أرسلت المقالة لصديقي الطبيب فكان رده المتجهم أن لا تتدخل في غير فنك رغم إن هذا الطبيب تحديداً دخل في كل الفنون حتى الشرقية منها! أرجع للمقال الذي يقول بأن الطب بشكل عام ينقسم إلى قسمين في جميع تخصصاته ما بين باطنية و جراحه , قسم الباطنية هم الذين يستخدمون الدواء لعلاج الأمراض و القسم الثاني هو الجراحه الذي كما تعرف عزيزي القاريء قليلوا الكلام و كثيروا الفعل بمشارطهم الدراسة من مجلة الطب الباطني تقول بأن أطباء الاطنية يزدادون سوء بالتشخيص مع مرور السنوات أو الخبرة. و بالمقابل دراسة أخرى تقول بأن الجراحين يزدادون تحسناً مع مر السنين و الخبرة! تفسير المقالة بأن طبيب الباطنية يأخذ النتائج بشكل متأخر و عليه يصعب عليه التصحيح إذ إن المريض يجب أن يلتزم بالدواء لمدة طويلة أما الجراح فالنتيجة شبه فورية و التصحيح يكون سريع. و أزيد على المقال بأنه ربما طبيب الباطنية يرى نفس المشاكل بشكل متكرر مما يسبب له تعود و يصبح سري