التخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلتي تلك إلى اليابان

 


تعودت أن أكتب ملاحظات سريعة عن البلد الذي أزوره ثم لا أنشر شيء, و هذا بالضبط ما حدث مع رحلتي الأخيرة إلى اليابان و نسيت الملاحظات حتى ذكرتني بها حبست كورونا لذلك أجدها فرصة للكتابة و تذكر رحلات السفر الجميلة.

اتخذت قرار غريب لكنه كان ناجح بسبب طول مدة السفر و أن معي طفلة لم أرد أن أسافر على الدرجة السياحية و هو ما أفعله بالعادة لكن الأمر صعب مع وجود طفل و قرار أنك تصعد إلى درجة أعلى هو قرار مكلف مادياً و يجعلني أسأل نفسي باستمرار لماذا أدفع هذا المبلغ على كرسي لمدة ساعات بينما لا أدفع نفسه على كرسي في المسكن أو العمل لمدة سنوات! أو حتى السؤال الذي أتوقع أن يسأله الجميع و هو لماذا لا أتمتع بالمال في سفري بدل من اهداره في هذا!

لكن لهذا حل ليس بالتكلفة التي تظن. لأن الطيران من دولنا إلى الفيليبين عادة ما يكون مليء بالعمالة ذات الراتب البسيط فإن شركات الطيران  كما يبدو تضيع عليها كراسي رجال الأعمال و لأن الفلبين بالقرب من اليابان (نسبياً) فقد قمت بحجز تذاكر رخيصة على درجة رجال الأعمال إلى الفليبين و قضيت ليلة ثم أكملت إلى اليابان على الدرجة السياحية. الأمر كان أرخص بكثير من لو قمت بالطيران المباشر إلى اليابان و التجربة تستحق.

أنا مؤمن بأن أول خروج من المطار يعطيك انطباع كبير عن البلد و هو ما حصل مع اليابان حيث أحسست براحة كبيرة من تعامل الشعب و الاحترام و النظافة و الهدوء. و رغم إن برنامج خواطر مثلاً خصص موسم كامل لليابان إلا إني صدمت من أكثر من شيء (بشكل إيجابي طبعاً). أنا شخص أقدر النظافة بشكل كبير , من الغريب إن اليابان تفتقر لسلات المهملات في الأماكن العامة! هذا بلا شك لو كان في أي بلد في العالم فإنه سيكون العذر الأول لإغراق الشارع بالقمامه لكنه ليس في اليابان. الفكرة لديهم هي إنك يجب أن تأخذ مخلفاتك معك إلى البيت و تحاول إعادة تدويرها و تلقي الباقي في سلة مهملاتك أنت لذلك كنت أمشي و أنا أحمل كيس مهملات! أي والله و بالكاد أدخل مطعم و قد يحالفني الحظ أن أرميه في سلة المهملات لديهم.

من ناحية اللغة توقعت الأسوء , توقعت أن اللغة الوحيدة التي من الممكن أن أتفاهم معهم من خلالها هي لغة الإشارة و لكن الوضع أفضل مما تصورت , طبعاً هم لن يتحدثوا بالطلاقة ولا حتى قريب منها ولكن أفضل مما تصورت. بعض اليابانيين يستخدم أجهزة ترجمة صوتية بين الانجليزية و اليابانية (ليست تابعة لقووقل) و كانت تساعد في الحوار و إن بدت أشكالنا غريبة.

التقنية اليابانية مختلفة , ليست بالضرورة متطورة عن العالم و لكنها مختلفة و لن تراها في مكان آخر, مشكلة أخرى تعاني منها الشركات اليابانية هي إنها تخدم اليابان في الدرجة الأولى و يشبعها ذلك و لا تريد أن تخرج من ذلك الكوكب!

في الإحترام لم أجد نظير لهم في العالم أجمع و الإحسان في تفاصيل الأشياء, ربما تجد الكثير من الأشياء و الأماكن قديمة لكنها جميلة و نظيفة. يؤمنون بمبدأ الوابي سابي أي الجمال في عدم اكتمال الأشياء.

طبعاً النظافة تنعكس على الرائحة الجميلة أو عدم وجود الرائحة (و هو أمر مهم و مقدر بالنسبة لي) لأن في آسيا تحديداً هذا الأمر مزعج خاصة في أماكن الأكل. أذكر أول وجبة أكلتها هناك كانت في مجمع في ركن المطاعم و عادة تكون هذه الأركان مليئة برائحة الطعام و لأنهم في آسيا فإن رائحة الطعام الآسيوي ستكون غالبة بلا شك لكن هذا لم يحصل في اليابان , هناك حرص على سحب جميع الروائح من تلك الزاوية ولا أعرف الطريقة الهندسية بشكل دقيق إلا إني قدرت ذلك بشكل عميق. قد أبدو غريب عندما أذكر ذلك ولكن اليابانيين رائحتهم لطيفة و لو ذهبت إلى دول آسيا الأخرى ستقدر ما أعني.

أغرب ملاحظة كانت هي إني لم أصادف ذبابة واحدة في اليابان! ربما من حسن حظي و ربما لعدم وجود سلات المهملات العامة! و لكني بحثت و قرأت نفس الملاحظة من أجانب زاروا اليابان. شعور رائع للغاية أن تستمتع بطعامك و قهوتك في الجو الجميل دون مزاحمة أحدهم.

هذا كاريكاتير أستطيع أن أؤكد صحته يفرق بين اليابان و سنغافورة. 

اليابان و سويسرا يملكان أجمل و أنظف حمامات رأيتهم في حياتي , أما أسوأها فأمريكا. لكن اليابان بالذات وجدت فيها حمامين للنساء مقابل حمام للرجال, فكرة عبقرية و أحببتها جداً. من غير المنطقي أن يكون عدد حمامات النساء مساوي لعدد حمامات الرجال. الرجال أسرع ولا يحتاجون الحمام كثيراً لا بيولوجياً و لا فيسيولوجياً فالمفترض أن يكون عدد حمامات النساء أكبر و هي الدولة الوحيدة التي شاهدت فيها ذلك.

اليابانيين يحبون الروبوتات , لازالت لا تقارن بروبوتات بوستن داينامك لكنها متواجدة في أماكن عدة.

جرت العادة في مدن الألعاب أن يكون الانتظار طويل و من خلال دخولي لكثير منها في دول العالم الغربي أيضاً جرت العادة أن يقضي الناس هناك ذلك الوقت الطويل من خلال تبادل القبلات بين الأحبة و هو أمر مزعج لو كنت مع عائلتك. لكن هذا لم يحصل في اليابان و لا حتى مرة واحدة و عندما بحثت وجدت إن الموضوع ليس ممنوع ولكنه يعتبر عيب كبير و هذا بحد ذاته يكفيني و يشعرني بالراحة.

يعشق اليابانيين الشاي الأخضر و يضعونه في كل شيء لكن (ما دمنا فتحنا موضوع الطعام) و هذا الشيء السيء الوحيد في اليابان, طعامهم لا يستساغ أبداً. ناهيك عن الخنزير و الحلال , الطعام نفسه سيء. مرة ذهبت إلى مطعم طلبت منه بيض ثم أكدت عليه أن لا يضع الكاتشاب عليه (كما هو في الصورة) و نظر إلي بدهشة كبيرة و قال لي متأكد! كيف ستأكل البيض بدون كاتشاب!! 

قبل السفر إلى اليابان كنت أعرف إن طعامهم سيء و توقعت إني سأفلت من ذلك من خلال المطاعم النباتية. توقعت أن الأمر مثل أمريكا من ناحية انتشارها الرهيب, لكني كنت مخطئ للغاية. اليابان لم تتعرف على نظام الطعام النباتي بعد! يندر أن تجد مطعم نباتي, هذا الشعب الرقيق ما زال متعطش للدم.

اليابان بلد ستحبه منذ الوهلة الأولى , الطبيعة و الشعب و كل شيء مريح في ذلك البلد.


المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عن الدهشة أفتش

عندما يصل عمر الطفل ٤ أشهر يبدأ الوالدان بتجربة أقدم حيلة لاضحاك طفلهم الصغير و هي ما تسمى بالانجليزية (peek-a-boo) عندما يغطي الأب أو الأم وجههما و يفتحه لتصدر ضحكات تعبر عن دهشة الطفل الذي كان يظن إن الأب اختفى فجأة بمجرد تغطية يديه لوجهه.  العملية يمكن تكرارها و يمكن أن يعيد الطفل نفس ضحكاته تلك النابعة من الدهشة المتكررة.  قد تكون أحد أشهر المؤشرات التي أراها عند التقدم بالسن هي قلة الدهشة مع مرور الوقت. يصبح كل شيء تقليدي و متكرر , مألوف و متوقع و هو أمر يفقد المتعة في الحياة حقيقة. سمعت مرة أحد الرحالين العرب الذي وطأ تقريباً كل بقاع الأرض إنه أحياناً يزور دولة ما ولا يندهش بشيء من شدة ترتيبه للبحث عنها قبل السفر. رغم إن السفر يجب أن يكون أحد أكثر الأشياء التي تبعث على الإنسان الدهشة! لكني أيضاً سمعت من رحاله آخر و هو   ابراهيم سرحان  إذ ينصح بأن لا تكون الخطة مكتملة ١٠٠٪ , يجب أن يكون هناك مجال كبير للضياع و العشوائية و هو ما سيجلب لك الدهشة و يزيد من جمال الرحلة. و هو ما ذكرني بالمناسبة بصديق أمريكي إذ إن حيلته عند زيارة مدينة جديدة هي أن يكتب عنوان الفندق ف

و ماذا عنهم؟

قبل سنوات قام مواطن صاحب مشروع صغير بعمل فلم وثائقي من غيضة اتجاه تعطل أعماله في الدوائر الحكومية التي فيها ما فيها (مستفيداً من حرية التعبير المرتفعة نسبياً في الكويت) و كان يتكلم بحرقة عن أحد أبرز المطبات في الحكومة و كانت موظفة غير محترمة تأخذ رشوى بمسميات مختلفة و لما سألها بطريقة غير مباشرة عن أخذها للرشوة كان ردها: و ماذا عن بقية الموظفين؟ أنا آخذ أقل راتب في الدولة و هذا أراه مجرد تعويض فارق! كنت في طابور انتظار في أحد المتاجر فطلب الذي يقف أمامي من المحصل أن يدخل ما دفعه في حساب شخص آخر , فرد عليه بان هذا لا يجوز شرعاً .. و بالفعل كما تتوقع رد عليه "و ماذا عن الذين يطالبون بأكبر من هذا!!" تدار هذه الأيام فكرة إصلاحات اقتصادية سوف تمس المواطن بطريقة أو بأخرى لأنه الشريحة الأكبر لكن التعليق الأكثر شهرة: و ماذا عن أولئك اللصوص الذين يسرقون البلد؟ في أمريكا و كوسيلة استخدمت لتقليل استهلاك الناس للكهرباء .. استغلوا فكرة "و ماذا عنهم" و وزعوا على البيوت درجة استهلاكها مقارنة بالجيران , فالمستهلك الكبير يجب أن يشعب بشيء من الخزي من استهل

مات مبارك .. لماذا لا نتذكر سوى الذكريات الحسنه؟

قبل أن أبدأ فأنا لن أتدخل في شئونك الداخلية و لن أمنعك من التدخل في شئوني الداخلية من باب حرية التعبير .. هذا حتى حتى لا يفترسني أحد قبل أن يفهم المقال. هذا الاسبوع رحل محمد حسني مبارك الرئيس الأسبق لمصر و كعادتي في سماع الأطراف المتنوعة فتحت إذاعة البي بي سي و كان الكثير من المتصلين يثنون على الرئيس الراحل و مرددين (ولا يوم من أيامك يا مبارك) حسرة  و لوعة على تلك الأيام .. لو أخذت آلة الزمن و ذهبت بها إلى تلك الحقبة  قد يبدو من الصعب جداً أن تردد هذا الكلام خاصة لو كنت مواطن كادح بسيط و ليس من العلية .. من جانب يترحم الكثير من الكويتيين على مبارك لمواقفه في الغزو العراقي رغم إن الوثائق و مذكرات قادة معركة التحرير لم تكن وردية تجاه القيادة المصرية كما يتصورها الكثير من الكويتيين اليوم , لمزيد من التفاصيل إقرأ مذكرات الأمر لا يحتاج إلى بطل ل نورمان شوارتزكوف تحديداً اليوم ٢٤ فيبراير ١٩٩٠ لأختصر عليك الموضوع. إنسى كل ما سبق فليس هذا الهدف من المقال و إنما الغرض منه المثال و السؤال .. لماذا لا نتذكر سوى الذكريات الحسنة؟ دراسة من جامعة كاليفورنيا قامت بعمل ثلا