التخطي إلى المحتوى الرئيسي

هل الحظ أعمى.. أم أننا نحن من نغمض أعيننا؟



لماذا يبدو بعض الناس وكأن السماء تمطر عليهم فرصاً أينما حلوا، بينما يكدح آخرون طوال حياتهم دون أن يظفروا إلا بالفتات؟ هل هو القدر المحتوم، أم مجرد حظ تعس لا يد لنا فيه؟


في الثقافة الشعبية، جرت العادة على تصوير "الحظ" كأنثى غريبة الأطوار تطرق أبواب الناس عشوائياً في ظلام الليل. لكن العلوم النفسية والإحصائية الحديثة أثبتت عكس ذلك تماماً: الحظ ليس سحراً غيبياً، بل هو نتاج سلوكي يمكن هندسته وتوقعه.


تجربة الـ 10 سنوات للبروفيسور ريتشارد وايزمان


أجرى عالم النفس البريطاني البروفيسور ريتشارد وايزمان (Richard Wiseman) من جامعة هيرتفوردشاير دراسة استمرت 10 سنوات كاملة، شملت أكثر من 400 شخص صنفوا أنفسهم إما كـ "محظوظين جداً" أو "سيئي الحظ للغاية".


هذه إحدى أشهر تجاربه الإحصائية التي كشفت سر الفرق بين الفريقين:

  • أعطى وايزمان المشاركين صحيفة، وأخبرهم أن يحصوا عدد الصور الموجودة في صفحاتها.

  • غير المحظوظين: استغرقوا متوسط دقيقتين في عد الصور بتركيز شديد وقلق.

  • المحظوظون: استغرقوا ثواني معدودة فقط واكتشفوا الإجابة!

ما السر الذي حدث؟

في الصفحة الثانية من الصحيفة، وضع وايزمان إعلاناً بخط عريض يغطي نصف الصفحة كُتب فيه: "توقف عن العد! هناك 43 صورة في هذه الصحيفة". وفي الصفحة التي تليها، وضع إعلاناً آخر يقول: "توقف عن العد، واخبر الباحث أنك رأيت هذه الجملة لتربح 250 دولاراً".

غير المحظوظين كانوا منغلقين على الهدف بجمود وتوتر، فلم يلاحظوا الإعلان المكتوب بخط عريض. بينما كان المحظوظون أكثر استرخاءً وانفتاحاً على البيئة المحيطة، فلاحظوا الفرصة المخبأة واقتنصوها فوراً!


خرج وايزمان بنتيجة مذهلة: 80% ممن خضعوا لتمارين "مدرسة الحظ" وتغيير السلوك أظهروا ارتفاعاً ملموساً ودائماً في مستوى فرصهم ونجاحهم الشخصي والمهني.

تفكيك "معادلة الحظ": لماذا هي عملية ضرب وليس جمع؟


تم تلخيص إحدى أعمق الرؤى الناجمة عن دراسة وايزمان في معادلة رياضية مبسطة وأنيقة:

الحظ = الزمن * الشبكة * الظهور * القيمة


وهنا يكمن السحر الرياضي الذي يجب أن نتوقف عنده ملياً. المعادلة تعتمد على الضرب وليس الجمع. ولماذا هذا التمييز جوهري؟


لأن القوانين الأساسية للرياضيات تنص على أن أي رقم يُضرب في الصفر تكون النتيجة حتماً صفراً!

1. عامل القيمة:

هي المهارة، الكفاءة، الحرفة، أو الخبرة التي تصقلها بجهدك. إذا كانت قيمتك صفر (لا تملك ما تقدمه للعالم)، فلو أظهرت نفسك لمليون شخص، سيبقى ناتج حظك صفراً.

2. عامل الظهور:

هو الشجاعة في تسليط الضوء على عملك وتواجدك. يمكنك أن تكون أعظم مفكر أو مهندس، ولكن إن بقيت نتاجاتك حبيسة الأدراج، فإن قيمة الظهور لديك هي صفر؛ وبالتالي تجرف قيمتك الإجمالية إلى الصفر.

3. عامل الشبكة:

هم البشر الذين يعرفون قيمتك ويستطيعون إيصالها للدوائر التي تحتاجها. الإنسان المنعزل الذي لا يبني شبكة علاقات متجددة يختزل قدرته على اقتناص الفرص.

4. مضاعف الزمن:

الاستمرارية والتكرار. كلما زادت الفترة الزمنية التي تستمر فيها بتقديم قيمتك وإظهارها لشبكتك، ارتفع منحنى الحظ بشكل أسّي وتضاعفت الصدف السعيدة.


عندما تجتمع القيمة مع الظهور والشبكة


شاع أن فليمنج اكتشف "البنسلين" بالصدفة المحضة عندما ترك نافذة مختبره مفتوحة وسقط العفن على طبق التجربة. لكن الحقيقة التاريخية هي أن فليمنج كان يملك قيمة علمية هائلة (سنوات من الأبحاث)، وظهوراً وشبكة علمية تبادلت النتائج ونشرتها. الملايين رأوا العفن قبل فليمنج، لكن عقل فليمنج المستعد ضمن شبكته العلمية هو من تحول لديه العفن إلى معجزة طبية أنقذت ملايين البشر.


برايان أكتون وواتساب (WhatsApp)

في عام 2009، تقدم مهندس البرمجيات برايان أكتون بطلب عمل لشركة "فيسبوك" وتم رفضه، ثم تقدم لـ "تويتر" وتم رفضه أيضاً. لم يقعده الخذلان ولم يندب حظه التعس. بل واصل العمل مع صديقه يان كوم على تطوير تطبيق موثوق (قيمة عالية) واعتمد على شبكته واستمراره عبر الزمن. وفي عام 2014، اشترت فيسبوك تطبيق "واتساب" بـ 19 مليار دولار. التحول من "مرفوض تعس الحظ" إلى "ملياردير محظوظ" كان نتاج معادلة رياضية مكتملة الأركان!


قواعد لهندسة الحظ


النتيجة لم تكن سحراً ولا طلاسم جالبة للنعم؛ فقد كشفت الملاحظة الميدانية أن المحظوظين يمارسون نمطاً سلوكياً مختلفاً جوهرياً عن غير المحظوظين. كي تكون من المحظوظون بكل بساطة إتبع التالي:


  1. لا تعتمد على حظ اليانصيب: الحظ العشوائي, مجرد رمية نرد لا تملكها، أما الحظ الهندسي فهو بنيان تشيده بيديك يومياً.

  2. صِل قِيَمَك بالعالم: المنفعة دون ظهور كالشمعة المضاءة تحت صندوق مغلق؛ لا تضيء أحداً ولا يراها أحد. تحرك على نطاق أوسع.

  3. وسع دائرة علاقاتك مع المختلفين: الأشخاص الذين يشبهونك تماماً يقدمون لك نفس الفرص التي تعرفها. الفرص الجديدة تأتي دائماً من الأطراف البعيدة لشغفك وعلاقاتك.

  4. مارس المرونة الذهنية: لا تصب تركيزك على هدف ضيق بجمود وتوتر، فقد تفوتك الفرصة الكبرى المارّة بجانبك في الصفحة الثانية! جرب أشياء جديدة.

  5. تذكر قانون الصفر: مراجعة واحدة لمعادلتك اليومية قد تكشف لك العائق.. هل صفرك في المهارة؟ أم في الظهور؟ أم في الشبكة؟ اضبط المتغير الصفري وسيتغير ناتج حياتك فوراً.


الحظ ليس نصيباً غيبياً يأتيك وأنت مستلقٍ على أريكتك؛ الحظ هو تقاطع العقل المستعد مع الفرصة المتاحة. وإذا كانت الفرص تتوزع بإحصائيات رياضية في هذا العالم، فإن مهندس الحظ الذكي هو من يوسع شباكه ليصطاد أكثرها!