التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفكيك علم الطاقة



الحقيقة إني لا أحب أن أكتب هكذا مواضيع .. مواضيع يغلب عليها النقد .. لأن آخر شيء نحتاجه هو النقد بدل من البناء و العمل, و رغم إني أسلك هنا سلوك نقد منهجي و ليس عشوائي إلا إني لا أحب هذا النوع من الكتابات .. لكن يبدو أن الموضوع صار يشغل بالي كثيراً.

أنا من يحتاج إلى أن يشكرك الحقيقة على قراءتك هذا المقال و أتمنى أن أوضح لك ما المقصود منه. أنا أسعى هنا إلى إزالة الغبار عن مسألة منتشرة كثيراً بين المنشغلين بعلوم الطاقة .. و كبار المسيطرين على هذا السوق .. أنا أحاول أن أشرح بعض أدوات النقد العلمية و أطبقها هنا ثم بإمكانك اسقاطها على أي شيء آخر ..

في البداية أنا لا أحاول أن أضع الشكوك حول الأشياء التي لا أؤمن بها ولا أشجعك على ذلك .. لا فائدة من التشكيك بديانة لا تعتقد بها أو طريقة علاج شعبية أنت لا تؤمن بها .. لكن من المهم جداً أن أشكك فيما أنا مقبل عليه من علاج مثلاً .. لأني سأبني عليه مصير ..

كما أنه لا يمكن أن يكون شعوري اتجاه عشبه معينة سبب كافي لأن أتخذها دواء لعلة أعاني منها! يجب أن أتخذ العلم كمحدد لصحة اختياري .. و يمكن القول بأن العكس صحيح , إذ إني عندما أحب زوجتي لا أحتاج أن أبرر هذا الحب أو أفكر في سببه, إذ لا فائدة من وراء ذلك ..

لذلك عندما نبدأ بتفكيك (قوروز) أو (أفاتارات) الطاقة, نتساءل أولاً

س1: ما مدى موثوقية مصدر مدعين هذا العلم؟

- مثلاً أنا في تخصصي الأكاديمي عندما يقوم باحث في عملية بحث للوصول إلى نتيجة و يستخدم في عملية البحث هذه عدة عوامل .. أحياناً تظهر أخطاء في عملية البحث لكنها أخطاء عشوائية .. أما لو كان الخطأ يتكرر بشكل (متحيز) لنتيجة معينة فإنه يتم استبعاده كي نضمن نتيجة حيادية للبحث. 
مع جماعة الطاقة, يلجأ الجماعة دائماً إلى العوامل التي تتحيز لنفس النتيجة التي يريدونها, لا تجد رأي متجرد و هذا يتعارض مع حيادية أي نتيجة!
من المشهور مثلاً أن يدعي شخص ما فكرة و يدعمها بأدلة قليلة .. ربما هذه الأدلة القليلة ليس لها تفسير علمي واضح و هو بالمقابل يستخدم هذا النقص في العلم اليوم ليؤيد نظريته, لكن في المقابل هناك مئات الأدلة التي تنقض النظرية نفسها. إذ ليس من المنطق أن يتم الإستناد على عدد محدود من الأدلة و تجاهل العدد الأكبر المضاد.

س2: هل الإدعاء حول قضية الطاقة الجسدية فقط أم أن الأمر باقة من إدعاءات الهراء؟

- يتكرر أن يؤمن الجماعة بأن للجسد طاقة .. ثم للجبال طاقة .. ثم للمواقع الجغرافية على الأرض تأثير خفي .. و هناك انتقال للزمن و و ... الأمر يبدو كأنه باقة من إعتقادات الهراء, لأن عقولهم مهيئة الآن لتقبل أي شيء دون البحث عن أبسط دليل.

س3: هل تم التحقق من هذا الأمر من جهة أخرى غير التي تدعيه؟

- أي إدعاء مهما كان يجب أن تتمكن جهة أخرى محايده من إختبار صحة هذا الإدعاء. و لإختبار صحة هذا الإدعاء يجب أن تتوافر أدوات القياس المناسبة .. ماهي أدوات القياس؟ كي نعرف إذا كان الكلام علمي أم مجرد هراء؟! يجب أن يكون قابل للتطبيق و متوفرة البيانات العلمية لأي مختبر (محترم) كي يقيسها.

س4: هل هناك من حاول إبطال تلك الفكرة؟

- هل إطلعت على الرأي المخالف؟ الذي حاول إبطال الفكرة علمياً لا عاطفياً؟ هل هناك تفسيرات أخرى لهذه الظاهرة؟ فمثلاً هناك من يدعي أن "ما يسمى جزافاً" بأهرامات البوسنة هي أهرامات حقيقية من صنع البشر و هي أكبر أهرامات في العالم و كأن الموضوع فعلاً مسلم به. لكن لو اطلعت فقط على صفحة أهرامات البوسنة في الويكيبيديا فسيسهل عليك معرفة إن هذه الجبال هي من صنيعة الطبيعة لا للطاقة علاقة بها.أعرف أن الويكيبيديا ليس مصدر مثالي للمعلومة, بالفعل هو كذلك و لكن الجيد في الويكيبيديا أنه يطلعك على الآراء الأخرى المعارضة ثم يمكنك البحث أكثر. 

س5: هل هناك اتباع منهج علمي للتأكيد على صحة هذه النظرية؟

- هل الأدلة تراكمية و متماسكة مثلاً؟ هل هي نتيجة دراسات سبقتها؟ هل هناك إعتراف عالمي بها؟ 
أذكر إني إطلعت على رأي أحد المشهورين في هذا المجال و كان يتكلم عن التنقل عبر الأزمنه و الرجوع للماضي و كتب مقال للتدليل على ذلك احتوى عدد كبير من المغالطات التي يمكن أن تطلى على الغير مطلع. كنت أعرف إنه حتى لو مشت الفكرة فإنه في النهاية سيقع في مأزق و هو إنه يسخن الأجواء و حماس الأتباع لهذه الفكرة. لكنه لن يستطيع تنفيذها و هنا الفخ, لأن الناس لن تنتظر طويلاً و ستبدأ بطرح شكوكها. تدخلت هنا و طرحت سؤالي له حول "السفر عبر الزمن" و هو بالمناسبة السؤال المنطقي الذي يطرح في الوسط العلمي لدحض وجود مثل هذا الشيء فسألت: أستاذي الكريم, إذا كان السفر عبر الزمن ممكن , لماذا لا نجد  ناس من المستقبل بيننا اليوم استخدموا آلة الزمن و رجعوا إلى زمننا؟؟ لم أتوقع جواب و لكن أتاني جواب من الأستاذ و هو: ما أدراك إنهم ليسوا بيننا؟؟ ربما هم يظهرون للمستعد فقط.
!! لم أطيل النقاش إذ إن الرد أبداً غير منطقي و استخدام مصطلح المستعد مطاط للغاية, و هو مصطلح جيد للخروج من مأزق السؤال, إذ إنك مهما حاولت فأنت لازلت غير مستعد!

جماعة الطاقة يربطون "أفكارهم" (لأنها بالنهاية مجرد أفكار) بالفيزياء و كأني أرى الفيزيائيين يقهقهون من بعيد .. الفيزياء أحد أرقى العلوم البشرية, علماءه يسهرون الليل و النهار لوضع المقاييس و القواعد لنظرياتهم لدرجة تمكنت بفضلها مركبات من صنع البشر على الهبوط على كواكب أخرى في الموقع المناسب تماماً, و هم متفتحين لأي نقض لنظرياتهم إذ إن البقاء في عالم الفيزياء للأصلح و صاحب النظرية الأثبت و ليس الأكثر تسويقاً تلك التي تستخدم كلمات رنانه كالأفتار أو سرنديب أو أشياء أخرى لتعطي ايحاء بالعمق. 

س6: هل العلم الذي يدعونه يفسر كل الثغرات التي وقعت فيها النظريات السابقة؟

- الحقيقة إن جماعة الطاقة يحبون أن يستميلون أي ثغرة علمية غير مفسره لتجنيدها لصالحهم (طبعاً دون دليل). في الواقع العلم الحقيقي يقبل اللا تفسير, يقبل أن يصل العلماء إلى نقطة يقفون عندها حائرين أو جزئية معينة غير قادرين على تفسيرها و حتى لو كان هناك تفسير ضعيف لها فإنهم يشيرون لها بأن هذا التفسير ضعيف. قارن هذا بثقة جماعة الطاقة عند حديثهم عن نظرياتهم!

هناك من يهاجم بشدة أي محاولة لرؤية الأشياء بمنظور منطقي كما أحاول هنا فعل ذلك و يستخدمون حجة أننا مثل الذين حاربوا غاليليو و أرغموه على أن يقر بأن الأرض هي مركز الكون و أن ما يقوله بأن الأرض تدور حول الشمس هو محض كفر. لكن النقطة المهمة هنا هي اليوم الزمن تغير تماماً عن تلك الحقبة, اليوم هناك تنافس حامي بين العلماء لسرعة إكتشاف الحلول و الوصول للنتيجة الأفضل. إذ لو افترضنا جدلاً أن علماء أمريكا سيحاربون علوم الطاقة فقط لأنهم مبرمجين على هذا التفكير المنغلق, فهل ينطبق الإنغلاق كذلك على العلماء الألمان ؟ بل سيحاولون إثبات جدواها بكل ما أوتو من قوة و العلماء حول العالم سيسعدهم أن يفوز أحد بهذا الإكتشاف لينسب لهم و ربما يربحوا من وراءه طائل. اليوم العالم مختلف تماماً يمكنك أن تدعوا إلى ما تشاء و لن يضغط عليك أحد لتغير رأيك كما فعلت الكنيسة مع جاليلو , المقارنة لا تصح.

في النهاية أتمنى أن نرجع للعلم و أدواته القياسية و عدم اتباع علوم موضوعه تنجح أحياناً بفضل الوهم لأن حتى الوهم يعالج أحياناً بنسبة جيدة , إذ إن علاج الوهم "البلاسيبو" مشهور لدى الأطباء فمثلاً الحبة الحمراء تعطي إيحاء بأنها تعالج أكبر من الحبة البيضاء و الحبه الصغيرة تزيد من قوة الإيحاء أكبر من الكبيرة كما إن مرارة الدواء تؤثر كذلك. لكن هذا لا يجعلها علاج فعال للأمراض!

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عن الدهشة أفتش

عندما يصل عمر الطفل ٤ أشهر يبدأ الوالدان بتجربة أقدم حيلة لاضحاك طفلهم الصغير و هي ما تسمى بالانجليزية (peek-a-boo) عندما يغطي الأب أو الأم وجههما و يفتحه لتصدر ضحكات تعبر عن دهشة الطفل الذي كان يظن إن الأب اختفى فجأة بمجرد تغطية يديه لوجهه.  العملية يمكن تكرارها و يمكن أن يعيد الطفل نفس ضحكاته تلك النابعة من الدهشة المتكررة.  قد تكون أحد أشهر المؤشرات التي أراها عند التقدم بالسن هي قلة الدهشة مع مرور الوقت. يصبح كل شيء تقليدي و متكرر , مألوف و متوقع و هو أمر يفقد المتعة في الحياة حقيقة. سمعت مرة أحد الرحالين العرب الذي وطأ تقريباً كل بقاع الأرض إنه أحياناً يزور دولة ما ولا يندهش بشيء من شدة ترتيبه للبحث عنها قبل السفر. رغم إن السفر يجب أن يكون أحد أكثر الأشياء التي تبعث على الإنسان الدهشة! لكني أيضاً سمعت من رحاله آخر و هو   ابراهيم سرحان  إذ ينصح بأن لا تكون الخطة مكتملة ١٠٠٪ , يجب أن يكون هناك مجال كبير للضياع و العشوائية و هو ما سيجلب لك الدهشة و يزيد من جمال الرحلة. و هو ما ذكرني بالمناسبة بصديق أمريكي إذ إن حيلته عند زيارة مدينة جديدة هي أن يكتب عنوان الفندق ف

ما الذي ستضحي به؟

    خلال أيام الحظر التي فاتت شاهدت فلم واثائقي مثير حقاً و ربما لم أكن أصدق ما جاء به لولا إن تم توثيقه من جهات محايدة , الفلم اسمه Maidentrip و هو باختصار عبارة عن طفلة هولندية عمرها ١٤ سنة تقوم برحلة حول العالم بقاربها الشراعي ((لوحدها))!! لك أن تتخيل إن الرحلة كانت بدعم كامل من والدها و طبعاً معارضة شديدة من الحكومة الهولندية حتى صعدت الموضوع إلى القضاء و ذلك لكي تسحب الوصاية من على طفلته لأنه شخص متهور يريد أن يجعل بنته ذات ال١٤ ربيع أن تعبر المحيطات لوحدها وهذا طبعاً لا يفعله أب عاقل. إلا إن المفاجأة إنه كسب القضية ضد الحكومة و سافرت لورا ديكير حول العالم بقاربها الشراعي و استغرت مدة سفرها عامين وثقتها بكثير من المغامرات. لو كنت نفسي فغالباً ستنجذب للفلم ثم تصاب بشيء من الاحباط عندما تقارن حياتك و أيامك التي مضت مقارنه مع هذه البنت التي جابت العالم بقاربها الشراعي بسن صغير , ربما عندما كنت في سنها كان أقصى طموحك هو أن تحضى بآيس كريم مجاني أو تلعب كرة القدم مع أصحابك حتى تغيب الشمس ولا يوبخك أحد عند عودتك متأخراً أو مثلاً قارن هؤلاء الشباب أصحاب قناة ( يس ثيري ) الذين تمتليء قنات

معضلة الطبيب

  هذه أحدى المقالات التي قرأتها و لم أنساها , كانت تتحدث عن ما يسمى بمعضلة الطبيب. و هي تفسر لماذا يصبح بعض الأطباء أكفاء و البعض الآخر سيء مع الوقت.  طبعاً لا أخفيكم سراً بأني أرسلت المقالة لصديقي الطبيب فكان رده المتجهم أن لا تتدخل في غير فنك رغم إن هذا الطبيب تحديداً دخل في كل الفنون حتى الشرقية منها! أرجع للمقال الذي يقول بأن الطب بشكل عام ينقسم إلى قسمين في جميع تخصصاته ما بين باطنية و جراحه , قسم الباطنية هم الذين يستخدمون الدواء لعلاج الأمراض و القسم الثاني هو الجراحه الذي كما تعرف عزيزي القاريء قليلوا الكلام و كثيروا الفعل بمشارطهم الدراسة من مجلة الطب الباطني تقول بأن أطباء الاطنية يزدادون سوء بالتشخيص مع مرور السنوات أو الخبرة. و بالمقابل دراسة أخرى تقول بأن الجراحين يزدادون تحسناً مع مر السنين و الخبرة! تفسير المقالة بأن طبيب الباطنية يأخذ النتائج بشكل متأخر و عليه يصعب عليه التصحيح إذ إن المريض يجب أن يلتزم بالدواء لمدة طويلة أما الجراح فالنتيجة شبه فورية و التصحيح يكون سريع. و أزيد على المقال بأنه ربما طبيب الباطنية يرى نفس المشاكل بشكل متكرر مما يسبب له تعود و يصبح سري