التخطي إلى المحتوى الرئيسي

لماذا لا نخطط إلا للسفر؟


هذه التدوينة مهداة إلى الأخ العزيز عبدالله الماجد

جربت قبل أسابيع أن أرى أسعار تذاكر السفر لعلطة عيد الفطر , كانت الصدمة أن شركات الطيران قد أغلقت باب الحجوزات بسبب إمتلاء المقاعد, قلت ربما في الأمر خطأ ما, ثم ذهبت بنفسي إلى أحدى أشهر الشركات و هي الخطوط القطرية كي أتأكد من ذلك فقال لي الموظف إن جميع الرحلات من الكويت إلى الدوحة مغلقة لمدة اسبوع من العيد! أو بمعنى آخر, إن من لم يحجز قبل أشهر فإنه قد حوصر داخل البلاد.

قد تتعجب مثلما تعجبت من التخطيط المسبق لرحلات السفر لأبناء بلدي, رغم إن المشهور عنا و الملاحظ هو قلة التخطيط المستقبلي .. إذاً لماذا نحن ممتازون في التخطيط للسفر فقط؟

التخطيط للسفر يختلف عن التخطيط لأي شيء آخر .. الإدخار و الرياضة .. أيضاً بحاجة إلى تخطيط إلا إنك بالكاد تجد من يلتزم بهما .. الفرق هو إن التخطيط للسفر يعطيك جرعة سعادة فورية , حتى قبل ركوب الطائرة بل و هناك صورة واضحة تماماً لرحلة السفر و الأماكن التي تنوي زيارتها و المناظر و غيرها.

أما التخطيط للإدخار فإنك (كما يقول علماء الإقتصاد السلوكي) في الواقع تتخلى عن متعة حالية (عدم استخدام المال) و ليس لديك صورة واضحة ممتعة عن السعادة التي ستجنيها من وراء استقطاع هذا المبلغ من المال. قس نفس الشيء عن تخليك عن تناول الحلويات في حالة إلتزامك بخطة تخفيف وزن.

هذه أمور غير واضحة ولا ملموسه مثلها مثل الذي يجعلنا ندفع بأموال كثيرة لشراء سهم ما بمجرد أن (فلان) مدحه في حين أننا نقضي أيام نفكر في أي هاتف جوال يجب أن نشتري!
لو اخترنا الجوال الخطأ فإننا سنشعر بالذنب مع كل استخدام له و نذكر أنفسنا باستمرار بهذا الخيار الخاطيء و قد يزيد الشعور السيء هذا هو نقد الناس لجوالك, بالمقابل لن تتذكر سوء اختيارك للأسهم (خاصة إن كنت مستثمر لا تراجع أداءها إلا خلال فترات بعيدة) و لن ينتقدك أحد على سوء اختيارك لأن الناس لا تعرف أي أسهم لديك و كم استثمرت فيها.

هناك حالة أخرى مشهورة و هي شراء كتاب جديد. متعة مسك الكتاب و تصفحه ثم شراءة تتم بسهولة لأنها متعة حالية فورية رغم إنك لاشك تمتلك مجموعة كتب أخرى لم تقرأها بعد..

لكن المشكلة هي أن هذا الكتاب بحاجة لقراءة لاحقاً و القراءة تحتاج جو هاديء في عالم مزدحم و صاخب. كما أن القراءة تستقطع بعضاً من وقتك (المشغول) و ربما تمر أثناء قراءتك على فصول مملة و ربما أنت من النوع الذي يجبر نفسه على قراءة كل شيء حتى تلك الفصول المملة .. و بالنهاية يصبح الأمر ليس بنفس متعة شراء الكتاب في البداية.

هناك حيل يستخدمها الناس لإجبار نفسهم على التخطيط الاجباري مثل مجموعات الادخار و هي التي تقوم مثلا بين 12 إمرأة و تقوم كل واحدة بدفع مبلغ 100 دينار مثلاً كل شهر و يذهب المبلغ كل شهر لواحده منهن و تحصل في النهاية على المبلغ الكلي (1200 دينار) و رغم إن هذه الطريقة قد تبدو جيدة و لكن خبراء إدارة الأموال كالاستاذ فيصل كركري يحذرون منها. أو حيل أخرى تستخدم لاتباع حمية غذائية بشكل قسري كالطريقة المجنونة التي قرأتها مؤخراً حول تدبيس اللسان كي تقلل كميات الأكل رغماً عنك!!

أتوقع أن الطريقة التي يمكن أن تحفزنا للتخطيط للأشياء الأخرى على قدر تخطيطنا للسفر هي أن نربط الصورة الجميلة بالهدف الذي نسعى إليه. لو كان إدخار فربطه بهدف و صورة واضحة فيها الكثير من السعادة و لو كان رياضة فصورتك و جسمك الرشيق و مدح الناس لك و تخلصك من الأمراض التي تراها تصيب المهملين لصحتهم و هكذا. و كمثال الاستثمار في الأسهم و شراء الهاتف الذي ذكرته أعلاه, يجب أن تربط شيء ملموس بهذا الهدف لتحققه.



المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مات مبارك .. لماذا لا نتذكر سوى الذكريات الحسنه؟

قبل أن أبدأ فأنا لن أتدخل في شئونك الداخلية و لن أمنعك من التدخل في شئوني الداخلية من باب حرية التعبير .. هذا حتى حتى لا يفترسني أحد قبل أن يفهم المقال. هذا الاسبوع رحل محمد حسني مبارك الرئيس الأسبق لمصر و كعادتي في سماع الأطراف المتنوعة فتحت إذاعة البي بي سي و كان الكثير من المتصلين يثنون على الرئيس الراحل و مرددين (ولا يوم من أيامك يا مبارك) حسرة  و لوعة على تلك الأيام .. لو أخذت آلة الزمن و ذهبت بها إلى تلك الحقبة  قد يبدو من الصعب جداً أن تردد هذا الكلام خاصة لو كنت مواطن كادح بسيط و ليس من العلية .. من جانب يترحم الكثير من الكويتيين على مبارك لمواقفه في الغزو العراقي رغم إن الوثائق و مذكرات قادة معركة التحرير لم تكن وردية تجاه القيادة المصرية كما يتصورها الكثير من الكويتيين اليوم , لمزيد من التفاصيل إقرأ مذكرات الأمر لا يحتاج إلى بطل ل نورمان شوارتزكوف تحديداً اليوم ٢٤ فيبراير ١٩٩٠ لأختصر عليك الموضوع. إنسى كل ما سبق فليس هذا الهدف من المقال و إنما الغرض منه المثال و السؤال .. لماذا لا نتذكر سوى الذكريات الحسنة؟ دراسة من جامعة كاليفورنيا قامت بعمل ثلا

عن الدهشة أفتش

عندما يصل عمر الطفل ٤ أشهر يبدأ الوالدان بتجربة أقدم حيلة لاضحاك طفلهم الصغير و هي ما تسمى بالانجليزية (peek-a-boo) عندما يغطي الأب أو الأم وجههما و يفتحه لتصدر ضحكات تعبر عن دهشة الطفل الذي كان يظن إن الأب اختفى فجأة بمجرد تغطية يديه لوجهه.  العملية يمكن تكرارها و يمكن أن يعيد الطفل نفس ضحكاته تلك النابعة من الدهشة المتكررة.  قد تكون أحد أشهر المؤشرات التي أراها عند التقدم بالسن هي قلة الدهشة مع مرور الوقت. يصبح كل شيء تقليدي و متكرر , مألوف و متوقع و هو أمر يفقد المتعة في الحياة حقيقة. سمعت مرة أحد الرحالين العرب الذي وطأ تقريباً كل بقاع الأرض إنه أحياناً يزور دولة ما ولا يندهش بشيء من شدة ترتيبه للبحث عنها قبل السفر. رغم إن السفر يجب أن يكون أحد أكثر الأشياء التي تبعث على الإنسان الدهشة! لكني أيضاً سمعت من رحاله آخر و هو   ابراهيم سرحان  إذ ينصح بأن لا تكون الخطة مكتملة ١٠٠٪ , يجب أن يكون هناك مجال كبير للضياع و العشوائية و هو ما سيجلب لك الدهشة و يزيد من جمال الرحلة. و هو ما ذكرني بالمناسبة بصديق أمريكي إذ إن حيلته عند زيارة مدينة جديدة هي أن يكتب عنوان الفندق ف

و ماذا عنهم؟

قبل سنوات قام مواطن صاحب مشروع صغير بعمل فلم وثائقي من غيضة اتجاه تعطل أعماله في الدوائر الحكومية التي فيها ما فيها (مستفيداً من حرية التعبير المرتفعة نسبياً في الكويت) و كان يتكلم بحرقة عن أحد أبرز المطبات في الحكومة و كانت موظفة غير محترمة تأخذ رشوى بمسميات مختلفة و لما سألها بطريقة غير مباشرة عن أخذها للرشوة كان ردها: و ماذا عن بقية الموظفين؟ أنا آخذ أقل راتب في الدولة و هذا أراه مجرد تعويض فارق! كنت في طابور انتظار في أحد المتاجر فطلب الذي يقف أمامي من المحصل أن يدخل ما دفعه في حساب شخص آخر , فرد عليه بان هذا لا يجوز شرعاً .. و بالفعل كما تتوقع رد عليه "و ماذا عن الذين يطالبون بأكبر من هذا!!" تدار هذه الأيام فكرة إصلاحات اقتصادية سوف تمس المواطن بطريقة أو بأخرى لأنه الشريحة الأكبر لكن التعليق الأكثر شهرة: و ماذا عن أولئك اللصوص الذين يسرقون البلد؟ في أمريكا و كوسيلة استخدمت لتقليل استهلاك الناس للكهرباء .. استغلوا فكرة "و ماذا عنهم" و وزعوا على البيوت درجة استهلاكها مقارنة بالجيران , فالمستهلك الكبير يجب أن يشعب بشيء من الخزي من استهل