التخطي إلى المحتوى الرئيسي

هل الاقتصاد علم؟




طبعاً هذا السؤال ليس وليد اليوم. هو سؤال يتكرر كثيراً ما بين مؤيد و معارض و رغم أن هذا تخصصي و قد تبدو نظرتي غير محايدة إلا إني أريد فقط إيضاح أمر مغيب لكثير من القراء حول علم الاقتصاد.

نعود للسؤال, هل الاقتصاد علم؟

الجواب هو نعم و لا. الاقتصاد ليس علم يمكن قياسه, مثلاً الفرق الرئيسي بين الاقتصاد و الفيزياء مثلا أنه في الفيزياء يمكن اختبار النظرية في مختبر و معرفة مدى دقتها و صحتها, أما في حالة الاقصاد فيجب أن تدخل سكان دولة في المختبر و تراقب ردة فعلهم و تفترض لاحقاً أن ردود فعل الناس ستظل كما هي مستقبلاً! الفرق بين العلمين أن الفيزياء يمكن تجربتها و قياسها و اختبارها و الاقتصاد لا يمكنه ذلك.

لذلك قد تبدو إلى هنا أن الاجابة المنطقية هي أن الاقتصاد ليس علم كونه لا يخضع للقياس لكن الذي لا ينتبه إليه الكثير هو أن الاقتصاد أفرع و ليس فرع واحد. أهمها ثلاثة جوانب, الاقتصاد الكلي (المعني بالدول و الاشياء الكبرى) و الاقتصاد الجزئي (المعني بالافراد و الشركات) و الاقتصاد القياسي (و يتداخل كثيراً مع الاحصاء). لذلك عندما نذكر القياس المذكور في البداية فنحن هنا نقيس على الاقتصاد الكلي, و رغم أن الاقتصاد الكلي مليء بالنظريات و المعادلات الرياضية (إذ لا يمكن دراسته بدون خلفية رياضيات ممتازة) إلا إنه قد تنجح بعض نظرياته بعض الوقت و لا ينجح بعضها مع دول معينة, و لو كنا حياديين سينطبق نفس الشيء على الفيزياء, فنظريات نيوتن مثلاً تنجح إلى حد ما ثم اينشتاين إلى حد ما ثم نظرية الأوتار لهذا يمكن لأحد أن يطلق نفس الاتهام على الفيزياء مثلا و إن كان هناك تباين شاسع بالدقة.

لكن بعيد عن هذا .. لا يعرف الكثير عن وجود شق آخر و هو الاقتصاد الجزئي و الاقتصاد القياسي. الاقتصاد الجزئي تعتمد عليه الكثير من الشركات لحساب أفضل تسعير و قياس قدرة المستهلك الشرائية و الكمية التي يمكن بيعها مع تغيير سعر سلعة ما و شدة المنافسة و تشبع سوق معين و كيف تستفيد الاسواق من الاحتكار و غيره الكثير مما نتعامل مع يومياً, أيضاً كل ذلك يدخل فيه المعادلات و الرياضيات المكثفة. و الفرع البارز الثالث هو الاقتصاد القياسي و هو الذي يهدف إلى جمع البيانات .. الكثير من البيانات في الحقيقة ثم يفسر كل عناصر البيانات و أهم المؤثرات في قضية معينة (حتى الغير اقتصادية) و يمكن معرفة صورة ممتازة عن الأدوات الأفضل التي اتباعها بعد تحليل تلك البيانات.

بعد كل ذلك هل الاقتصاد علم؟

في جانب الاقتصاد الكلي تحديداً و لأن سلوك البشر لا يمكن توقعه (حتى اليوم على الأقل) هو علم غير دقيق, أما في جوانبه الأخرى فتزيد فيه الدقة. مع العلم أن الاقتصاديين منتبهين لذلك و هذا أحد الأسباب الرئيسية لدخول الرياضيات بكثاقة في الاقتصاد في العقود الأخيرة كي تزيد الدقة و العلمية في الموضوع.

هذا مقال له وجهة نظر مختلفة من د.روبرت شيلر - الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد مؤخراً:


المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مات مبارك .. لماذا لا نتذكر سوى الذكريات الحسنه؟

قبل أن أبدأ فأنا لن أتدخل في شئونك الداخلية و لن أمنعك من التدخل في شئوني الداخلية من باب حرية التعبير .. هذا حتى حتى لا يفترسني أحد قبل أن يفهم المقال. هذا الاسبوع رحل محمد حسني مبارك الرئيس الأسبق لمصر و كعادتي في سماع الأطراف المتنوعة فتحت إذاعة البي بي سي و كان الكثير من المتصلين يثنون على الرئيس الراحل و مرددين (ولا يوم من أيامك يا مبارك) حسرة  و لوعة على تلك الأيام .. لو أخذت آلة الزمن و ذهبت بها إلى تلك الحقبة  قد يبدو من الصعب جداً أن تردد هذا الكلام خاصة لو كنت مواطن كادح بسيط و ليس من العلية .. من جانب يترحم الكثير من الكويتيين على مبارك لمواقفه في الغزو العراقي رغم إن الوثائق و مذكرات قادة معركة التحرير لم تكن وردية تجاه القيادة المصرية كما يتصورها الكثير من الكويتيين اليوم , لمزيد من التفاصيل إقرأ مذكرات الأمر لا يحتاج إلى بطل ل نورمان شوارتزكوف تحديداً اليوم ٢٤ فيبراير ١٩٩٠ لأختصر عليك الموضوع. إنسى كل ما سبق فليس هذا الهدف من المقال و إنما الغرض منه المثال و السؤال .. لماذا لا نتذكر سوى الذكريات الحسنة؟ دراسة من جامعة كاليفورنيا قامت بعمل ثلا

عن الدهشة أفتش

عندما يصل عمر الطفل ٤ أشهر يبدأ الوالدان بتجربة أقدم حيلة لاضحاك طفلهم الصغير و هي ما تسمى بالانجليزية (peek-a-boo) عندما يغطي الأب أو الأم وجههما و يفتحه لتصدر ضحكات تعبر عن دهشة الطفل الذي كان يظن إن الأب اختفى فجأة بمجرد تغطية يديه لوجهه.  العملية يمكن تكرارها و يمكن أن يعيد الطفل نفس ضحكاته تلك النابعة من الدهشة المتكررة.  قد تكون أحد أشهر المؤشرات التي أراها عند التقدم بالسن هي قلة الدهشة مع مرور الوقت. يصبح كل شيء تقليدي و متكرر , مألوف و متوقع و هو أمر يفقد المتعة في الحياة حقيقة. سمعت مرة أحد الرحالين العرب الذي وطأ تقريباً كل بقاع الأرض إنه أحياناً يزور دولة ما ولا يندهش بشيء من شدة ترتيبه للبحث عنها قبل السفر. رغم إن السفر يجب أن يكون أحد أكثر الأشياء التي تبعث على الإنسان الدهشة! لكني أيضاً سمعت من رحاله آخر و هو   ابراهيم سرحان  إذ ينصح بأن لا تكون الخطة مكتملة ١٠٠٪ , يجب أن يكون هناك مجال كبير للضياع و العشوائية و هو ما سيجلب لك الدهشة و يزيد من جمال الرحلة. و هو ما ذكرني بالمناسبة بصديق أمريكي إذ إن حيلته عند زيارة مدينة جديدة هي أن يكتب عنوان الفندق ف

و ماذا عنهم؟

قبل سنوات قام مواطن صاحب مشروع صغير بعمل فلم وثائقي من غيضة اتجاه تعطل أعماله في الدوائر الحكومية التي فيها ما فيها (مستفيداً من حرية التعبير المرتفعة نسبياً في الكويت) و كان يتكلم بحرقة عن أحد أبرز المطبات في الحكومة و كانت موظفة غير محترمة تأخذ رشوى بمسميات مختلفة و لما سألها بطريقة غير مباشرة عن أخذها للرشوة كان ردها: و ماذا عن بقية الموظفين؟ أنا آخذ أقل راتب في الدولة و هذا أراه مجرد تعويض فارق! كنت في طابور انتظار في أحد المتاجر فطلب الذي يقف أمامي من المحصل أن يدخل ما دفعه في حساب شخص آخر , فرد عليه بان هذا لا يجوز شرعاً .. و بالفعل كما تتوقع رد عليه "و ماذا عن الذين يطالبون بأكبر من هذا!!" تدار هذه الأيام فكرة إصلاحات اقتصادية سوف تمس المواطن بطريقة أو بأخرى لأنه الشريحة الأكبر لكن التعليق الأكثر شهرة: و ماذا عن أولئك اللصوص الذين يسرقون البلد؟ في أمريكا و كوسيلة استخدمت لتقليل استهلاك الناس للكهرباء .. استغلوا فكرة "و ماذا عنهم" و وزعوا على البيوت درجة استهلاكها مقارنة بالجيران , فالمستهلك الكبير يجب أن يشعب بشيء من الخزي من استهل