التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سوق داخل المستشفى




يتداخل الاقتصاد و الطب في أمور كثيرة يصعب على كثير من العاملين في الجانبين تخيلها, خاصة لو لاحظنا الدول التي تزدهر بها صناعة الطب مثل أمريكا ففي النهاية يتحول الطب إلى سوق كبير و كل سوق له حواديته. حتى الدول التي توفر علاجات مجاني و مبتعدة عن الصناعة الطبية و كل هذا تحت ظل حكومي مشدد, تجد إن هناك سوق بشكل أو بآخر. هل تعلم إن القانون في ايران يسمح بتجارة الكلى؟ 

تظهر حواديت في الاسواق التي تجد فيها اختفاء للمعلومات و بالتالي لا تكون سوق فعال. فمثلاً يعتبر سوق الأسهم لدى كثير من الاقتصاديين هو سوق فعال لأن جميع المعلومات متوفرة و لا يمكن أن يمتلك أحد معلومات دون غيره (هكذا يفترض) و لا يوجد فرق من أي شخص اشتريت الأسهم و لا جودت أسهم شركة عن بقية الأسهم في نفس الشركة!

و على سبيل المثال على اختفاء المعلومات في سوق الطب فلابد أنك قد مررت أو حتى سمعت بذلك الطبيب في المستشفى الخاص الذي شكوت له ألم بسيط فطلب تحاليل ما أنزل الله بها من سلطان و طبعاً كل شيء بثمنه و لأنك تجل علم الطبابه فلابد إنك في مثل هذا الموقف أن تحتار ما إذا كان اهذا الطبيب نصاب بلباس محترم مدفوع من قبل إدارة المستشفى على دفع المرضى لإجراء أقصى عدد من الفحوصات أو ما إذا كان الأمر الذي فيك خطير و يستحق ذلك! و حتى و إن افترضنا إن الفحوصات المطلوبة هي فعلاً ما يجب أن يتم فحصه لمن يحملون الأعراض التي ذكرت و لكن هناك فحوصات لأمراض نادرة أو حتى نادرة للغاية فليس من الحكمة طلبها الآن قبل فحوصات أولية! أماذلك الطبيب صاحب العيادة الخاصة فإنه لربما يصر على وصف دواء معين لك و لربما هناك ما هو بنفس الفاعلية و لكنه أرخص منه و أنت تتسائل إذا ما كان يجهل وجود الدواء الآخر أم إن هناك شركات أدوية تدفع له مقابل تسويق هذا الدواء!  بل حتى أدهى من ذلك و هو ما تقوم به شركات دوائية من خلال دفع مبلغ للطبيب كي يعرض فوائد دوائها الجديد على مجموعة صغيرة من المرضى لمدة عشر دقائق بمقابل مادي محترم و السر هو إن تلك الشركات تفعل هذا كي تقنع الطبيب لا المستمعين للمحاظرة فالطبيب نفسياً سيقنع نفسه بفوائد الدواء هذا و إلا لما كان قد سوق له!

و قبل أن تبدأ بالتذمر من فساد الطب و البدء بإستطوانة "أين أطباء الماضي؟" دعني أخبرك عن حالة غريبة حدثت في أمريكا قبل سنة 2002 تحديداً كانت هناك واسطات بين أطباء أمريكا, تحديداً في عملية نقل الكبد بين المرضى فالقانون في أمريكا يمنع بيع الكبد و في المقابل هناك قائمة متبرعين قصيرة و قائمة محتاجين طويلة فما المعيار لترتيب تلك القائمة من المحتاجين لكبد جديدة؟

في البداية كان الترتيب يتم عن طريق الأطول انتظاراً يحصل على أولوية لأخذ كبد جديدة من متبرع مجهول, صار الأطباء في أمريكا يحرصون على تسجيل مرضاهم مبكراً كي يحصلوا على أولوية قبل غيرهم (أو كما نسيمها لدينا واسطة) , ثم اكتشف هذا الموضوع فتغير النظام لتكون الأولوية لمن يعطى أدوية و أوكسيجين أكثر , فماذا فعل الأطباء؟ نعم كما توقعت بدؤوا بإعطاء مرضاهم أوية أكثر كي يحصلوا على أولوية في قائمة الانتظار و لم تتوقف العملية حتى جاء مراقبة مشددة من جهة خارجية على أسماء المرضى و ماذا تم وصفه لهم من أدوية!

عملية نقل الأعضاء أيضاً تأتي تحت ظل أعمال الأسواق و هذا ما دفع الاقتصادي ألفين روث (الفائز بجائزة نوبل للاقتصاد) بتصميم برنامج يتغلب على هذه المعضلة من خلال تمكين تبادل التبرعات دون تدخل مالي, فمثلاً تخيل لو أن إمرأة احتاجة لنقل كلية و أعلن زوجها استعداده عن التبرع لها بكليته لكن الأطباء أخبروه إنه لا يمكنه ذلك لأن كليته لا تتطابق مع جسم زوجته فيمكن هنا أن يقوم هو بالتبرع لشخص آخر مقابل أن يقوم هذا الآخر بإعطاءه كلية من شخص كان لديه الاستعداد للتبرع له و تعارض جسد المريض الثاني مع المتبرع الثاني.

بالعودة إلى موضوع التأمين الطبي و قبل حتى أن تكيل الشتائم للجتمع الطبي التجاري عليك أن تتسائل عما إذا ما كان المريض أيضاً يتحايل على هذا المجتمع؟ فلو تخيلت إن هناك مريض يحمل أمراض عدة و ذهب إلى شركة تأمين صحي و طلب الاشتراك بتأمين صحي يغطي مصاريف علاجه فلاشك إنه سيقارن سعر التأمين الذي سيدفعه (افترض ٥٠٠ دينار) مع المصاريف التي كان من الممكن أن يدفعها لعلاجه في المستشفى الخاص (نفترض ٨٠٠ دينار) و هنا يكون قد وفر ٣٠٠ دينار و خسرة شركة التأمين ذلك المبلغ. و صدق أولا تصدق إن هذا فعلاً ما يحدث في مثل هذا السوق الغامض بالمعلومات فمع وجود هذا النوع من الزبائن أو المرضى و تسببهم بخسارة شركة التأمين الصحي بمقابل اشتراك الأصحاء من المرضى و دفع مبلغ (٥٠٠ دينار)  و عدم الاستفادة منها لأنهم لم يعانوا من شيء فإن ما يحدث هو إن الأصحاء سيرون إن الصفقة خاسرة و عليه فإنه ليس من الحكمة تجديد دفع الاشتراك من جديد لشركة التأمين أما المرضى الذين تسببوا بخسائر لشركات التأمين الصحي فإنه سيسرهم تجديد اشتراكهم. هذا ما يسمى بالخيار السلبي بالاقتصاد و بالتالي يزيد عدد هؤلاء الذين يرهقون ميزانية شركات التأمين و هروب الأصحاء حتى تبدأ شركات التأمين بالتوقف عن العمل و التركيز على مجال تأمين آخر و هو ما شاهدته بعيني في بلدي. أما لماذا؟ لأنه ببساطة شركات التأمين لا تتابع سجل المريض السابق قبل الاشتراك و لا تضعه تحت فحص طبي دقيق و تسعر الجميع (الصحيح و المريض) بنفس التسعيرة!!

صحيح إن التسعيرة الموحدة للتأمين (على السيارات مثلاً) هي قانون (في بلدي على الأقل) لكن هناك شركات تمكنت من الإلتفاف عليه من خلال الروتين و البيروقراطية و المماطلة في التسويات مما يجعل احتمال قيامك بحادث ثاني أقرب من تسوية موضوعك المالي مع شركة التأمين كما إن هذا الروتين و المماطلة تدفع الناس إلى دفع ثمن التصليح من جيبها الخاص على أن تدخل في هذه الدوامة التي هي أقرب للثقب أسود حقيقي لا يمكن الافلات منه! و عليه قدمت شركات التأمين حل سحري يسمى بالتأمين الذهبي و هو ما يسرع كل شيء فجأة و يحميك تقريباً من كل شيء (عدا تلك الشروط اللعينة التي تكتب بخط صغير جداً جداً).

في العموم الشركات دائماً أسرع بالقرارات و اتخاذ الخطوات من أي حكومة في العالم!



المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما الذي ستضحي به؟

    خلال أيام الحظر التي فاتت شاهدت فلم واثائقي مثير حقاً و ربما لم أكن أصدق ما جاء به لولا إن تم توثيقه من جهات محايدة , الفلم اسمه Maidentrip و هو باختصار عبارة عن طفلة هولندية عمرها ١٤ سنة تقوم برحلة حول العالم بقاربها الشراعي ((لوحدها))!! لك أن تتخيل إن الرحلة كانت بدعم كامل من والدها و طبعاً معارضة شديدة من الحكومة الهولندية حتى صعدت الموضوع إلى القضاء و ذلك لكي تسحب الوصاية من على طفلته لأنه شخص متهور يريد أن يجعل بنته ذات ال١٤ ربيع أن تعبر المحيطات لوحدها وهذا طبعاً لا يفعله أب عاقل. إلا إن المفاجأة إنه كسب القضية ضد الحكومة و سافرت لورا ديكير حول العالم بقاربها الشراعي و استغرت مدة سفرها عامين وثقتها بكثير من المغامرات. لو كنت نفسي فغالباً ستنجذب للفلم ثم تصاب بشيء من الاحباط عندما تقارن حياتك و أيامك التي مضت مقارنه مع هذه البنت التي جابت العالم بقاربها الشراعي بسن صغير , ربما عندما كنت في سنها كان أقصى طموحك هو أن تحضى بآيس كريم مجاني أو تلعب كرة القدم مع أصحابك حتى تغيب الشمس ولا يوبخك أحد عند عودتك متأخراً أو مثلاً قارن هؤلاء الشباب أصحاب قناة ( يس ثيري ) الذين تمتليء قنات

عن الدهشة أفتش

عندما يصل عمر الطفل ٤ أشهر يبدأ الوالدان بتجربة أقدم حيلة لاضحاك طفلهم الصغير و هي ما تسمى بالانجليزية (peek-a-boo) عندما يغطي الأب أو الأم وجههما و يفتحه لتصدر ضحكات تعبر عن دهشة الطفل الذي كان يظن إن الأب اختفى فجأة بمجرد تغطية يديه لوجهه.  العملية يمكن تكرارها و يمكن أن يعيد الطفل نفس ضحكاته تلك النابعة من الدهشة المتكررة.  قد تكون أحد أشهر المؤشرات التي أراها عند التقدم بالسن هي قلة الدهشة مع مرور الوقت. يصبح كل شيء تقليدي و متكرر , مألوف و متوقع و هو أمر يفقد المتعة في الحياة حقيقة. سمعت مرة أحد الرحالين العرب الذي وطأ تقريباً كل بقاع الأرض إنه أحياناً يزور دولة ما ولا يندهش بشيء من شدة ترتيبه للبحث عنها قبل السفر. رغم إن السفر يجب أن يكون أحد أكثر الأشياء التي تبعث على الإنسان الدهشة! لكني أيضاً سمعت من رحاله آخر و هو   ابراهيم سرحان  إذ ينصح بأن لا تكون الخطة مكتملة ١٠٠٪ , يجب أن يكون هناك مجال كبير للضياع و العشوائية و هو ما سيجلب لك الدهشة و يزيد من جمال الرحلة. و هو ما ذكرني بالمناسبة بصديق أمريكي إذ إن حيلته عند زيارة مدينة جديدة هي أن يكتب عنوان الفندق ف

مجاملات إلكترونية

  قرأت في مدونة عبدالله المعلومة التالية: (غوغل لا تسمح بإعادة استخدام أي بريد محذوف) تمنيت حقاً أن توفر بقية المنصات نفس الخدمة , لأني أفكر كثيراً في حذف بعض الحسابات في تلك المنصات بالذات تلك التي يتابعني فيها و أتابع أصدقاء و أقارب.  هناك مشكلة حقيقية واجهتني مراراً و تكراراً تحدث عندما تتابع و يتابعك صديق أو قريب. فخذ مثلاً (حساب الانستقرام) قد يأتيك إشعار بأن (خالد) يتابعك. أوه خالد زميل العمل , لابد إن الانستقرام قد اقترح عليه حسابي , لكنك تتجاهل متابعته لأنك قد خصصت منصة الانستغرام للإطلاع على المحتوى الهادف فقط و هذا آخر شيء تتوقع أن خالد يعمله. ثم تجد خالد نفسه يعلق على صورك و هو بذلك يفرض نفسه عليك و أنت لا تدري يقيناً إذا ما كان يريد أن يوجه لك رسالة بأن تتابعه و ترد الجميل أو إنه فعلاً مهتم بالصورة التي نشرتها. قد تعتذر عن عدم ملاحظتك إن خالد قد تابعك لكن الآن خالد يعلق عندك و أنت ترد عليه فكيف لا تتابعه بالمقابل؟! حسناً الآن ستتابع خالد مضطراً , لكن لحظة , خالد ينشر فقط صور السيارات و آخر أخبارها و المشكلة إنه نهم و ينشر بغزارة! و هذا حرفياً يثير جنونك. صور الطبيعة التي ك