التخطي إلى المحتوى الرئيسي

توفر العلم و فقدان الرغبة



 

مايكل شاب أمريكي من أصل كوري كانت رغبة والديه مثل رغبة كل آباء و أمهات قارة آسيا و أفريقيا (ربما) و هي أن يحصل على أعلى درجة في الدراسة ثم يتحول إلى موظف بمهنة مرموقة. مايكل خيب توقعاتهم و تحول إلى العمل بوظيفة حرة و هي طاه محترف يأتي إلى بيوت الناس ليقدم لهم (تجربة) طعام ممتعة لمناسبة ما. مواعيده في الغالب محجوزة و دخله الشهري هو ١٤٠٠٠ دولار رقم كبير لو حولته إلى أي عملة. أين الغريب في الأمر؟ إن مايكل لم يتعلم الطهو تحت يد أستاذ أو مطعم و إنما تعلم بنفسه. كما تعلم كل شيء متوفر على الانترنت.

لماذا كتبت هذا؟ لأنه قبل أيام قرأت عن شركة crumbl كعك (كوكييز) كسرت دنيا الحلويات (لم أجربها مع الأسف الشديد) تقوم الشركة بطرح ٤ أنواع جديدة و مختلفة اسبوعياً بالإضافة إلى تصوير مميز واستغلال مميز لمنصة تيك توك. بالمناسبة الطاه مايكل ليس لديه موقع و إنما حساب في الانستقرام يحجزون عن طريق التواصل المباشر معه.  عودة إلى شركة الكعك , في مقابلة للمؤسسين قالوا و هم يضحكون إنهم حتى لم يعرفوا استخدام الفرن طيلة حياتهم حتى ولادة المشروع! كما تعلم كل شيء متوفر على الانترنت.

المستثمر المعروف بيل أكمن قال في أحد المقابلات له بأن الانسان يستطيع أن يكون ثروة من خلال الاستثمار في الاسهم و يمكن أن يتعلم ذلك من خلال الكتب أو مشاهدة اليوتوب فقط. في السابق كان فقهاء الدين يقولون "من كان شيخه كتابه كان خطأه أكثر من صوابه" لكن يبدو إن هذا الأمر يقتصر على التخصصات الحساسة و الدقيقة. 

كل شيء متوفر على الانترنت , نحن في عصر عظيم للغاية. أثناء دراستي في الجامعة كنت قد لحقت على بدايات الانترنت هناك القليل من الأشياء. لما يستشكل عليك أمر ما و لم تجد له جواب لا في الكتب الدراسية ولا في مكتبة الجامعة فستصبح عاجز ما لم يفهمك إياه معلم المادة بنفسه. الأمر صار أفضل بكثير. لكن هناك أمر سيء صاحب كل هذا .. ماهو؟

يقول المستثمر الفيلسوف نافال رافيكانت إن العلم صار متوفر لكل شيء لكن النادر صار هو الرغبة الحقيقة في التعلم.

رغم حبي لخدمة الناس و إجابة أسألتهم إلا إنه أحياناً تأتيني أسأله غريبة حقاً. كل ما يحتاجه السائل هو كتابة نفس السؤال في قووقل بل حتى في اليوتوب إن كنت لا تقوى على القراءة! بل البعض لا يريد أن يبحث حتى عن سعر الأشياء. كثيراً ما يكرر البعض السؤال عن قيمة سهم أو أصل آخر!!

صعب أن تكون هناك رغبة و أنت مرتبط بالانترنت ٢٤ ساعة و أنت تستطيع الوصول باستمرار إلى وسائل التواصل الاجتماعي طول الوقت. صعب أن تتعلم شيء و أن لا تستطيع أن تركز. التركيز أندر سلع هذا الزمان. 

يحاول الدكتور كال نيوبورت في محاربة هذه الموجة كثيراً و للمفارقة هو دكتور كمبيوتر! لكن كتبه و بودكاستاته كلها تركز حول تقليل المشتتات و تطبيق التركيز.

رغم إني أصبحت أركز بشكل جيد و تشربت الكثير من حكمة الدكتور كال نيوبورت إلا إني ما زلت أقرأ و أستمع له. لأني أريد أن ترسخ هذه الأفكار في داخلي و تكون جزء مني. أنا ناجح بشكل ما في التركيز وإلا ما تمكنت من كتابة هذا المقال. إلا إن الأمر كان عبارة عن رحلة صعبة. 

رغم كل إيماني بأهمية التركيز و تقليل المشتتات الإلكترونية إلا إن الأمر كان صعب حتى علي شخصياً. أشعر بالحزن اتجاه الناس التي لا تقوى على ذلك و الأهم من ذلك كله إن المجد سيستمر لتلك المشتتات التي تحولت اليوم إلى ما يشبه بمسكرات للعقل.

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عن الدهشة أفتش

عندما يصل عمر الطفل ٤ أشهر يبدأ الوالدان بتجربة أقدم حيلة لاضحاك طفلهم الصغير و هي ما تسمى بالانجليزية (peek-a-boo) عندما يغطي الأب أو الأم وجههما و يفتحه لتصدر ضحكات تعبر عن دهشة الطفل الذي كان يظن إن الأب اختفى فجأة بمجرد تغطية يديه لوجهه.  العملية يمكن تكرارها و يمكن أن يعيد الطفل نفس ضحكاته تلك النابعة من الدهشة المتكررة.  قد تكون أحد أشهر المؤشرات التي أراها عند التقدم بالسن هي قلة الدهشة مع مرور الوقت. يصبح كل شيء تقليدي و متكرر , مألوف و متوقع و هو أمر يفقد المتعة في الحياة حقيقة. سمعت مرة أحد الرحالين العرب الذي وطأ تقريباً كل بقاع الأرض إنه أحياناً يزور دولة ما ولا يندهش بشيء من شدة ترتيبه للبحث عنها قبل السفر. رغم إن السفر يجب أن يكون أحد أكثر الأشياء التي تبعث على الإنسان الدهشة! لكني أيضاً سمعت من رحاله آخر و هو   ابراهيم سرحان  إذ ينصح بأن لا تكون الخطة مكتملة ١٠٠٪ , يجب أن يكون هناك مجال كبير للضياع و العشوائية و هو ما سيجلب لك الدهشة و يزيد من جمال الرحلة. و هو ما ذكرني بالمناسبة بصديق أمريكي إذ إن حيلته عند زيارة مدينة جديدة هي أن يكتب عنوان الفندق ف

مجاملات إلكترونية

  قرأت في مدونة عبدالله المعلومة التالية: (غوغل لا تسمح بإعادة استخدام أي بريد محذوف) تمنيت حقاً أن توفر بقية المنصات نفس الخدمة , لأني أفكر كثيراً في حذف بعض الحسابات في تلك المنصات بالذات تلك التي يتابعني فيها و أتابع أصدقاء و أقارب.  هناك مشكلة حقيقية واجهتني مراراً و تكراراً تحدث عندما تتابع و يتابعك صديق أو قريب. فخذ مثلاً (حساب الانستقرام) قد يأتيك إشعار بأن (خالد) يتابعك. أوه خالد زميل العمل , لابد إن الانستقرام قد اقترح عليه حسابي , لكنك تتجاهل متابعته لأنك قد خصصت منصة الانستغرام للإطلاع على المحتوى الهادف فقط و هذا آخر شيء تتوقع أن خالد يعمله. ثم تجد خالد نفسه يعلق على صورك و هو بذلك يفرض نفسه عليك و أنت لا تدري يقيناً إذا ما كان يريد أن يوجه لك رسالة بأن تتابعه و ترد الجميل أو إنه فعلاً مهتم بالصورة التي نشرتها. قد تعتذر عن عدم ملاحظتك إن خالد قد تابعك لكن الآن خالد يعلق عندك و أنت ترد عليه فكيف لا تتابعه بالمقابل؟! حسناً الآن ستتابع خالد مضطراً , لكن لحظة , خالد ينشر فقط صور السيارات و آخر أخبارها و المشكلة إنه نهم و ينشر بغزارة! و هذا حرفياً يثير جنونك. صور الطبيعة التي ك

أباك ليس الذي تراه

  (صورة حقيقية لعامل بناء و قد لطخ الأسمنت عينه) من زمان مر علي بروشور في الانترنت من النوع الذي عندما تقرأه تكتشف إن هذه الفكرة ليس فكرتك أنت وحدك و إنما يشاركك فيها الآلاف حول العالم. البروشور كان عن كيف ينظر الطفل لأبيه منذ الولادة و كيف يراه أعظم شخص في العالم ثم تقل هذه الصورة مع مرور الوقت واكتساب الطفل خبرات حياتية خاصة به تتفوق أحياناً على أبيه و تهتز الصورة التي بناها و تتحول صورة الإبن إلى نظرة مختلفة تماماً عن والده من ذلك العظيم إلى الرجل العادي و ربما أقل , ثم يتقدم العمر بالولد و تعود صورة أباه بالنمو مرة أخرى بعد إدراكه الكثير من حكم الحياة إلى أن تعود إلى (أبي هو الأعظم في العالم). أقرأ مثلكم عن قصص أولئك الذين تركهم آبائهم منذ الطفولة تتولى أمهم شأن حياتهم بدون اتصال معهم على الإطلاق. للأسف هذه النماذج يوجد منها في الوطن العربي الذي نضرب به المثل على الترابط الأسري مقارنة بالغرب. مؤخراً سمعت حلقة في بودكاست (أصوات) عن قصة بنت فلسطينية تركها والدها مع أمها هي و أخوتها هكذا. رغم إنه لم يهاجر بل كان داخل الدولة! أأسف لحياة هؤلاء لكني أعلم أنهم الأقلية. هناك درجة أقل و هي